أول ما يخطف بصرك ويأسر قلبك في سوريا اليوم بعد التحرير هو الحضور الطاغي لتلك الراية البهيّة الجليلة العظيمة .. العلم الأخضر الذي ناضلنا تحت ظله أربعة عشر عاماً من التضحيات والصبر، حتى تكللت أخيراً بسقوط الأسد .. لقد حُقَّ للسوريين فعلاً، بعدما كانوا يخفونه في أدراجهم وتحت أسرِّتهم، بعدما كان يُرفع فقط في الشمال السوري، بعدما كان رفعه مُحرَّماً في المحافل العالمية، حُقَّ لهم أن يتباهوا ويختالوا فخراً برمز حريتهم .. لذلك اليوم أينما يمّمت وجهك في شوارع سوريا، ستجده حاضراً. معلقاً على الجدران والشرفات، ممتداً بالطول والعرض، صغيراً وكبيراً، وبكافة الأحجام والأنواع. ستلمحه مرسوماً على جدران الحارات، وحين تتجول في الأسواق، لن تخطئ عيناك تلك التذكارات التي تتزين بألوانه لتوثق ملامح العهد الجديد وقيام الدولة الوليدة.
لكن الحقيقة ومع كل هذا الانتشار الواسع، كثيراً ما نصادف تصاميم للعلم تبدو غريبة الملامح، أو متباينة الألوان، أو مشوَّهة الأبعاد بشكل يُقلل كثيراً من هيبته .. بعد بحث عميق وجدت أن المشكلة تكمن في غياب المرجعية الفنيَّة لضبط العلم. صحيح أن هناك إعلاناً دستورياً يضع وصفاً عاماً له لكن لا يوجد دليل إرشادي بصري يوجِّه المصممين والجهات المنفذة لكيفية التعامل معه، أو يحدد المقاسات والأبعاد الهندسية الدقيقة لعناصره.
أمام هذه الفوضى البصرية واستشعاراً للمسؤولية المهنية والوطنية، قررتُ أن آخذ زمام المبادرة وأعمل على إعداد ملف تفصيلي شامل يغطي كل ما يخص العلم السوري. بحثت وقرأت الكثير من أدلَّة الأعلام حول العالم .. بعض الأدلة بها تفاصيل بروتوكولية كبيرة جداً، وبعضها بسيط للاستخدام العام، فوجدت أن الاستخدام العام هو الأمثل .. وبعد كثير من التجارب وصلت للقواعد التي تحفَظ العلم في أيِّ وسَط ممكن أن يوضَع به. الدليل يُقدِّم قواعد تشمل: درجات الألوان القياسية، الأبعاد الهندسية الدقيقة، قواعد العرض الأفقي والعمودي، وحتى أصول التعامل المادي مع الراية من عناية ووصولاً إلى الطرق البروتوكولية لإتلافها بوقار واحترام في حال تعرضها للتلف.
لم يقتصر الأمر على التنظير الفني. بل حرصت على تضمين الدليل روابط مباشرة لتحميل الموارد والأصول الرقمية عالية الجودة والدقة، ليكون أداة عملية جاهزة بين يدي كل مصمم أو صانع محتوى يرغب في توظيف العلم في أعماله. وقد قررتُ إتاحة هذا الجهد بالكامل مجاناً للاستخدام العام ليكون بذلك، وحتى هذه اللحظة، المرجع البصري الوحيد من نوعه الذي يوثق هذه التفاصيل الدقيقة حول العلم السوري.
أخيراً، أتمنى من المهتمِّين كلما صادفتم تصميماً خاطئاً أو عشوائياً للعلم، أن تشاركوا هذا الملف مع صُنّاعه. أدعوكم لقراءة الدليل والاطلاع عليه، ولو من باب المعرفة العامة.