مهنتي هي التصميم .. ماذا علمني موراكامي عن التصميم؟

أنهيت قبل فترة كتاباً للرائع هاروكي موراكامي الذي طالما كتبتُ عنه في مدوَّنتي هنا وفي حساباتي على مختلف المنصات، والذي أعتبره -بلا منازع- كاتبي المفضَّل، أنهيت الكتاب بعد فترة طويلة من توقّفي عن الكتابة والقراءة بسبب مشاغل الحياة عموماً، أنهيت الكتاب وقد حفَّز لدي القراءة والكتابة من جديد .. يبدو أن هذا العام سيكون مليئاً بالكتب والتدوينات الشيِّقة على ما آمل!

على كل حال، الكتاب الذي أنهيته هو “مهنتي هي الرواية” والذي يتحدَّث فيه موراكامي عن كيف صار روائياً وما هي آلياته في الكتابة، وبعض النصائح للكُتَّاب الجدد .. يفتَح لنا موراكامي مكتَبه الخاص لنلقي نظرة على “الأقزام التلقائيين” الذين يسكنون مخيَّلته ويقودون خطاه .. كشخص قرأ معظم أعمال موراكامي، أحببت الكتاب جداً .. كتاب خفيف لطيف أنهيته في ثلاثة أيَّام.

لكنِّي لست هنا اليوم كي أُقيَّم الكتاب بشكل مُفصَّل، الأمر أنني وجدتُ تقاطعات كبيرة بين مهنة موراكامي كروائي، ومهنتي كمصمم .. لقد أذهلتني بحقّ تلك التقاطعات بين بناء الرواية وبناء الهوية البصرية، فكلاهما يحتاج إلى عقلٍ صافٍ خلال ساعات الجلوس الطويلة، وإلى طُرق لاستجرار الإلهام حين نترك التصميم لـ «يستوي» بعيدًا عن أعيننا. في هذه التدوينة، سأستعير لغة موراكامي لأتحدث عن مهنتي أنا كمصمم ومدير فنِّي، مستلهماً بذلك طرائق موراكامي نفسها التي ذكرها في كتابه لكن على مقاس المصممين.

التغذية البصرية

يؤكد هاروكي موراكامي مراراً أن الخطوة الأولى، والشرط الغير قابل للتفاوض لمن يريد أن يصبح روائياً، هو القراءة. ليست القراءة العابرة، بل قراءة أطنان من الكتب بنهم شديد، وكأنك “تُهيل الفحم على فرنٍ مشتعل”. يرى موراكامي أن هذه العملية ليست مجرد ترفيه، بل هي الطريقة الوحيدة لكي يصبح المحتوى المقروء جزءاً من لحم الكاتب ودمه. فقبل أن يكتب الروائي سطراً واحداً، عليه أن يمتلك في داخله خزانة ضخمة من النماذج، والأساليب، والتجارب الشعورية التي صاغها من سبقوه. إنها المدرسة الأساسية التي تبني الهيكل العظمي للموهبة.

أرى أن هذا القانون ينطبق حرفيَّاً على عالم التصميم، ولكننا نستبدل “الكلمات” بـ “البكسلات” و”الخطوط”. الخطوة الأولى لتكون مصمماً محترفاً ليست تعلم أدوات الفوتوشوب أو الإليستريتور، بل هي التغذية البصرية المستمرة، لا يمكن لمصمم أن يُنتج عملاً إبداعياً من العدم .. فالعين التي لم تعتَد رؤية الجمال والتناسق والحلول البصرية الذكية، لن تكون قادرة على إنتاجها.

في بداياتي، وربما مثل كثيرين، كنتُ أظن أن كثرة الاطلاع على أعمال المصممين الآخرين قد تلوُّث “أصالتي” أو تجعلني مقلداً. لكنني أدركتُ لاحقاً أن الأمر يشبه تماماً ما قاله موراكامي .. التغذية البصرية هي الفحم الذي يُبقي فرن الإبداع مشتعلاً .. حين أقلِّب صفحات بيهانس أو بينترست، أنا لا أبحث عن تصاميم لأنسخها، بل أقوم ببناء مفردات بصرية داخل عقلي. أنا أتعلم كيف عالج غيري الكتلة والفراغ، وكيف دمجوا الألوان الجريئة، وكيف طوَّعوا الخطوط.

إن الإلهام البصري هو المخزون الاستراتيجي الذي نلجأ إليه حين تجفُّ الأفكار. فكما لا يمكن لكاتب أن يكتب رواية عظيمة إذا لم يقرأ مئات الروايات قبلها، لا يمكن لمصمم أن يصنع هوية بصرية مدهشة ما لم تكن عيناه قد تشبَّعت بآلاف الصور والتكوينات البصرية من قبل. الرؤية تسبق الإبداع، والامتلاء يسبق الفيض.

الأصالة مقابل متطلَّبات العميل:

يقول هاروكي موراكامي إنَّ كتابة الرواية في جوهرها العميق فعلٌٌ إنساني يهدف إلى إصلاح النفس أو تهذيبها .. هيَ عمليَّة تطهيرية تُتيح للكاتب أن يحلَّ التناقضات والتشوَّهات التي تتراكم في داخله لمجرد كونه على قيد الحياة. ويرى أنَّ الأصالة ليست رداءً يُستورد من الخارج ليُلبس للنص، بل هي الشكل الناضج الذي ينبثق عن الدافع الطبيعي لإيصال المشاعر. فالعمل الأصيل عنده هو ما كان ناضراً، مفعماً بالحيوية، ويخصَّك وحدك من دون أدنى شك .. الأصالة لا تُصنَع، بل تُبنى تدريجياً مع تراكم الخبرات والتجارب والسرد، وكلَّما توسَّع الكاتب في السرد واكتشف مفاتيح أكبر له، كلَّما نضِجَت أصالته أكبر.

أنا بدوري أرى في التصميم هذا الفعل الإنساني أيضاً .. فالمصمم حين يشرع في بناء هوية بصرية، لا يقوم برسم خطوط وألوان مجرَّدة لملئ الفراغ، بل يمارس نوعاً من الغوص في المشاعر الإنسانيَّة وتحويلها لشيء بصريِّ ليرتِّب فوضى الأفكار ويمنحها قواماً ملموساً. الأصالة في مهنتي ليست مجرد لهاث خلف التريند أو تقليدٍ أعمى كما يفعل الذكاء الاصطناعي، بل هي القدرة على استخراج المعدن الخام من منجم الاستراتيجيَّات وصقلها بعينٍ فنيَّة صادقة. وكما يغوص موراكامي إلى العتمة السفلى في قبو لاوعيه ليخرج بصور حيَّة، أجدني كمصمم مضطراً للحفر عميقاً في ذاكرتي البصريَّة، لأجمع تلك العناصر المُبعثَرة وأنفخ فيها روحاً لنحيي بها الاستراتيجيَّات، فاتحاً بذلك نافذة في روح المتلقي يدخل منها هواء منعش يجعله يشعر بالارتياح والدهشة في آن واحد.

يقول موراكامي أنَّ المعادلة الصعبة تكمن بين إرضاء الجمهور وإرضاء الذات، مستشهداً بكلمات أغنية ما: «لا يمكنك إرضاء الجميع، لذا عليك أن ترضي نفسك» .. لذا يرى أن محاولة ملاحقة آراء الناس هي استنزاف للروح، وأن الشرط الأساسي للنجاح هو أن يكتب الكاتب ما يمتِّعه شخصياً أولاً، فهذا الرضا الذاتي هو المعيار الوحيد للجودة، وهو ما يبني خط متين من الثقة بينه وبين جمهوره على المدى الطويل. ولإدارة طاقته، يحرص بذكاء على الفصل بين الرواية (بصفتها مشروعه الأصيل) وبين المقالات والترجمة التي يعدها أطباقاً جانبية أو تدريباً تقنيَّاً لا يستنزف مخزونه الذهني الأساسي المخصص للسرد.

بالطبع هو محق .. وهذه تقريباً المعضلة الأقسى الذي يقع فيها أي مُصمم، فأنا يومياً أواجه عدة مستويات من العملاء، عملاء يبحثون عن الفخامة والرُقي في تصاميمهم، وآخرون يبحثون عن العمل التجاري .. وبين هذَين المصطلحين ما صنَع الحدَّاد. المشكلة الحقيقية في “أصالة” أعمال المصمم تكمن أنَّه يفقد أصالته بسبب العملاء، فهو مضطَّر لأن يرضخ للعميل حتى لو كان التصميم لا يتبع للقواعد الأكاديمية والجمالية .. بالطبع لا أدَّعي أن تصاميمي هي الأمثل للشركة الفلانية -هذا يتبع للأهواء الشخصية عموماً- لكني أحاول تطبيق القواعد دائماً على أي تصميم يقع تحت يدي .. لذا كان الحل أنَّ عليَّ إدارة خطَّي إنتاج متوازيين داخل عقلي، خط أتعامل فيه مع “البريف” ومتطلبات العميل بمرونة وحرفية تشبه ممارسة موراكامي للترجمة (كعمل تقني ممتع ومفيد)، وخط آخر أُغذّي فيه أسلوبي الخاص وأحافظ على جمرة “أصالتي” متقدة. 

قانون الجحش

لا يوجد عميل مثالي في عالمي يقبل بكل ما أقدِّمه له .. مع ذلك، أرى أن إرضاء النفس ليس ترفاً أو غروراً، بل هو شرط مهنيّ .. فإذا لم يقنعني التصميم ولم يحرك مشاعري بصفتي صانعه، فكيف أتوقع أن يؤثر في العميل؟ إنَّ بناء خطّ متين مع العملاء لا يأتي من التنازل المستمر لتلبية طلباتهم حرفياً، بل من ثقتهم بأنَّ ما أقدمه يحمل جزءاً من حقيقتي، وأنَّ معايير الجودة التي ترضيني هي ذاتها التي ستخلق القيمة الحقيقية لهم.

مع ذلك، هناك نوعية من العملاء الذين يريدون يتصوَّرون تصميم في ذهنهم ويريدون تطبيقه بشكل حرفي رامين بعرض الحائط كل التناغم البصريِّ والقواعد الأكاديمية والتباين بين العناصر وتوحيد الخطوط وغيرها .. في السابق، كنتُ أحترق، وأشعر أن هذا التشويه هو طعنة في “أصالتي”. لكنني اليوم، أُذكِّر نفسي والمتدربين الذين يأتون للمكتب بالقاعدة السوريَّة الذهبية: «اربط الجحش مطرح ما يحب صاحبه». ويالها من قاعدة عظيمة تُريح الضمير الفني والإبداعي .. هكذا ببساطة، بعض العملاء يحتاجون مصمماً ليُنفِّذ لهم، لا أن يُبدع لهم شيئاً جديداً ..

هنا يكمن البعد الإنساني .. فقبولي بربط الجحش حيث يريد صاحبه هو اعتراف بحق الآخر في الاختيار، وتخفُّف من ثقل “الغرور” الذي يصور لي أنني المالك الوحيد للحقيقة البصرية. تماماً كما يفصل موراكامي بين “رواياته” و”المقالات المدفوعة”، تعلمتُ أن أفصل بين “التصاميم التي تعبر عني” و”التصاميم التي تؤدي وظيفة للغير”.

ولكي لا تموت “الأصالة” في داخلي تحت وطأة هذه التنازلات، كان الحل الأمثل هو ما يفعله موراكامي بالضبط: الحفاظ على “المشروع الشخصي”. لذا يعمد المصممون -وأنا منهم- إلى إنشاء حسابات على منصات التواصل، تكون هي “الرواية” الخاصة بنا، نعرض فيها عضلاتنا الإبداعية، ونمارس فيها حريتنا المطلقة، ونقدم أسلوبنا الخاص الذي لا يتحكَّم به أحد. هذه المساحة الحرة هي التي تعيد شحن الروح، وتسمح لنا بأن نكون “منفذين جيدين” في الصباح، و”مبدعين أصيلين” في المساء، دون أن نفقد صوابنا أو شغفنا بالمهنة.

وهم الكمال .. عن التصاميم التي لا تكتمل، بل يُتخلى عنها

يقول موراكامي: «أنا شخصٌ غير كامل، أكتبُ أعمالاً غير كاملة». ورغم ترجمة أعماله لأكثر من خمسين لغة، إلا أنه يرفض النظر إلى ما أنجزه على أنه “صواب” مُطلَق، بل يرى نفسه كاتباً لا يزال يتطوَّر بلا حدود مرسومة لنموِّه. هذا الإيمان بعدم الكمال هو ما يدفعه للكتابة باستمرار .. فالمسودات الأولى عنده ليست سوى مادة خام، ويعترف أن كتاباته الأوليَّة لا تكون مرتَّبة، لذا يقوم بمراجعتها وإعادة تشكيلها مرات عديدة بوعي ومنطقيَّة. ذكَر في الكتاب قصَّة ضياع إحدى الفصول من رواية “الغابة النرويجية” .. حينما أعاد كتابته من الذاكرة، وجد أن النسخة الجديدة كانت أصدق وأجمل بكثير. هذا يعني أنَّ موراكامي يتعامل مع أعماله السابقة كدرجات سُلَّم، لو عاد إليها الآن لربما رآها “ناقصة” أو تعتريها الهشاشة مقارنة بوعيه الحالي، لكنه يظل يقدِّرها ويحترمها، ليس لأنها كاملة، بل لأنه يعرف حجم الجهد والصدق الذي بُذل فيها في ذلك الوقت.

أنا أيضاً أُذكِر نفسي باستمرار أنه لا يوجد تصميم كامل -كما لا يوجد نصٌّ كامل-. في بداياتي، كنتُ أقع فريسة لـ وسواس البكسل، أعيد تحريك الشعار ملليمتراً لليمين ثم لليسار، باحثاً عن لحظة تجلي تُنهي هذه المأساة. ثُمَّ أدركتُ مع الوقت أن التصميم هو فن التخلي .. فن معرفة متى تتوقف عن التحسين وتقرر أن العمل أصبح “جاهزاً للإرسال”، لا “كاملاً”.

عندما أعود اليوم لتقليب ملفَّاتي القديمة وتصاميمي التي نفذتها قبل سنوات، تنتابني مشاعر مختلطة .. أرى العيوب بوضوح، ألحَظُ التباعد غير المتقن، واختيارات الألوان التي كانت تبدو لي حينها قمة في الإبداع وتظهر لي الآن “بلا قيمة” فنية عالية. لو أتيحت لي الفرصة لإعادة تصميمها اليوم، لنسفتها تماماً وبدأت من الصفر بمعاييري الحالية .. لكن، وعلى غرار موراكامي، أعود لأبتسم لتلك الأعمال بامتنان عميق. أنا لا أحكم عليها بقسوة، بل أقدِّرها لأنني أتذكر الأيام التي تعبتُ فيها لإنجازها، والجهد الذهني الذي بذلته بمستواي وخبرتي آنذاك. تلك التصاميم “الناقصة” هي التي صقلت عيني، وهي التي مهَّدت الطريق للتصاميم الأفضل التي أنجزها اليوم.

إن الإيمان بوجود “فرص للتحسين دائماً” هو الوقود الذي يمنع المصمم من التكلُّس والغرور. كل تصميم جديد هو محاولة أخرى للاقتراب من كمالٍ نعلم يقيناً أننا لن نصله، لكن شرف المحاولة ومتعة الرحلة وتطور أدواتنا مع كل مشروع هو الجائزة الحقيقية. الكمال وهم، أما التطور فهو الحقيقة الوحيدة الثابتة في مهنتنا.

إذاً، متى ينضج التصميم؟

أهم مراحل الكتابة ليست الكتابة نفسها، بل هي مرحلة “ترك العمل ليبرد” على حد تعبير موراكامي. هو يشبّه الرواية بـ نبع الماء الساخن الذي يجب أن تُنقع فيه الأفكار طويلاً لتتغلغل الجودة في نخاع العظم، بدلاً من حوض الاستحمام السريع الذي يبرد ماؤه بمجرَّد الخروج منه. حين ينهي موراكامي مسوَّدته، يتركها في الدرج لأسابيع أو أشهر، مغلقاً عليها الباب تماماً .. الهدف هو أن يمحو من ذاكرته تفاصيل الصراع اليومي مع الكلمات، ليعود إليها كغريب يقرأ النصَّ للمرة الأولى. هذا البُعد الزمني هو الذي يكشف له التشققات التي لم يكن يراها وهو في نشوة الكتابة، ويسمح له بإجراء مراجعة قاسية ومنطقية تحوِّل المسودة من فوضى إلى عمل أدبي متماسك.

أمارس أنا هذا الطقس في كل مشروع هوية بصرية أعمل عليه .. تعلمتُ -بالتجربة المريرة- أنَّ التصميم الذي يبدو لي “عبقرياً” في الخامسة عصراً بعد يوم عمل شاق، قد يبدو لي في صباح اليوم التالي مجرد زحام بصري لا معنى له .. لذا، أحرص دائماً على أن يكون هناك “وقت لجفاف التصميم” بعد إدخاله إلى النبع. بعد الانتهاء من الخربشات الأولية ووضع العناصر في مكانها، أغلق الجهاز وأبتعد. أذهب للمشي، أو القراءة، أو حتى العمل على مشروع مختلف تماماً.

هذا الابتعاد ضرورة مهنية لضمان “نضج” الفكرة. فالمصمم حين يكون منغمساً في العمل، تلتصق عينه بالشاشة لدرجة أنه يعجز عن رؤية مواطن الخلل الواضحة. أما حين أترك التصميم لـ “يبرد”، فإنني أعود إليه بـعين العميل أو “عين الغريب”. في تلك اللحظة، تبدأ العيوب بالبروز من تلقاء نفسها .. هذا الخط ليس متوازناً، ذلك اللون يفتقر للجرأة، وهذه الكتلة تسبب اختناقاً في المساحة البيضاء.

إنَّ نضج التصميم لا يحدث تحت ضغط النقر المستمر على الفأرة، بل يحدث في تلك المسافة الهادئة بين ممارسة التصميم نفسه ثم مراجعته. تماماً كما أنَّ جودة الماء الساخن في الينابيع اليابانية تحتاج وقتاً لتتغلغل في الجسد (طبعاً لم أجربها، لكني شاهدت أنميات كثيرة تصفها بهذا الشكل)، فإنَّ جودة التصميم تحتاج زمناً لكي تستوي وتتضح ملامحها النهائية .. المصمم المحترف هو من يملك الصبر لانتظار هذه اللحظة، والقدرة على قتل كبريائه الفني إذا وجد أنَّ الفكرة التي أحبها قبل أسبوع لم تعد صالحة بعد أن بردت .. النضج هو أن تدرك أنَّ وقتك الذي تقضيه بعيداً عن التصميم، هو ذاته الوقت الذي يجعل التصميم جديراً بكلمة “أصيل”.

علبة التروس في عقل المُبدع

يُقال أنَّ المبدعين نوعان: نوعٌ يرسم خارطة الطريق كاملةً قبل أن يخطو خطوة واحدة، ونوعٌ آخر يترك لشخصياتِ عمله ومواده الخام حرية أن تمسك بالمِقوَد وتأخذه إلى وجهات لم يكن يتوقَّعها. هاروكي موراكامي ينتمي بوضوح للنوع الثاني .. فيذكر مثالاً من روايته “تسوكورو تازاكي عديم اللون وسنوات حجِّه”، التي بدأت في ذهنه كقصة قصيرة لن تتجاوز الستين صفحة. كانت الخطة بسيطة: بطلٌ يهجره أصدقائه، يعيش حياة هادئة يخفي فيها جرحه العميق. لكن فجأة، ظهرت شخصية تدعى “سارة كيموتو”، وقالت للبطل جملة حاسمة غيَّرت كل شيء: «عليك أن تذهب لترى ما ينبغي لك أن تراه». يقول موراكامي إن تلك الجملة لم تكن موجهة للبطل فحسب، بل له هو كمؤلف أيضاً. في تلك اللحظة، تولَّت الشخصية القيادة، وتحولت القصة القصيرة إلى رواية طويلة ومعقدة، واضطر موراكامي للسفر ببطلة إلى فنلندا والغوص في ماضي الشخصيات، متجاهلاً الخطَّة التي كان يسير عليها.

بناء الشخصيات وتطوُّر الحكاية ليس دائماً فعلاً واعياً أو منطقياً بنسبة مئة بالمئة .. هو يؤمن بوجود ما يسميهم “الأقزام التلقائيين” الذين يعيشون في “علبة تروس” عقله الباطن، وهم المسؤولون عن تحريك التروس المعقدة للرواية بينما هو يكتفي فقط بنسخ ما يقومون به من عمل باجتهاد كبير .. بالنسبة لموراكامي، الإبداع الحقيقي لا ينبع من التفكير المفتعل، بل من ترك المجال لهذه القوى الغريزية الكامنة في لاوعيه لتعمل وفق منطقها الخاص. وحين يصف علاقته بالموسيقى، يذكر أنَّ الروائي يكتب وكأنه يعزف، حيث يكمن السر في الارتجال فوق إيقاع متين .. فما دامت القواعد الأساسية (الإيقاع) ثابتة، يمكن للخيال أن ينطلق في ارتجالات لا محدودة.

لا أعرف ما سرّ موراكامي مع الأقزام فقد ذكرها في كثير من رواياته (بالمناسبة، شكل الجن الحقيقي في كثير من الموروثات الإسلامية هي ناس صغيرة أصغر من الأقزام) لكني لا أحبُّ هذا الوصف .. بالنسبة لي يمكن إطلاق صفة الإلهام أو التجلِّي عن هذه الحالة .. فكم مرة واجهت معضلة بصرية بدت مستعصية! شعار لا يقبل الاختزال، أو هويَّة بصرية ترفض أن تتشكل في قالب واحد .. في تلك اللحظات، أدركتُ أنَّ الإمعان في التفكير الواعي والضغط على النفس أمام الشاشة قد يكون عائقاً بدلاً من أن يكون حلاً. لذا، تعلمتُ أن أترك المشكلة «تبيت» في عقلي الباطن وأذهب للنوم.

هناك في اللاوعي، يبدأ الإلهام الحقيقي .. يقوم عقلي بتفكيك العناصر البصرية التي جمعها خلال اليوم، وإعادة تركيبها بعيداً عن ضجيج المنطق الصارم .. وهذا تعلَّمته من مديري في العمل، هو شخص مبدع بحقّ قضى آخر 20 سنة من حياته في تصميم الهويَّات البصرية، وشارك في التحوُّل البصريِّ في الهيئات والمراكز الحكومية السعودية، كان يقول لي حرفياً أنك لن تصبح مصمماً إلا إذا صرت تحلُم بالتصميم .. وهذا بالفعل ما صار يحدث معي، فغالباً ما أستيقظ في الصباح وبذهني رسمات وحلول لمشاكل الأمس، وبمجرد أن أضع يدي على مؤشر الفأرة، أجد الحل يتدفق بسلاسة وكأنه كان ينتظرني .. لستُ أنا من اخترعه، بل حالة التجلِّي أثناء النوم هي من رتَّبت الفوضى بينما كنتُ أنا نائماً .. وهكذا يتولى “التصميم” القيادة بدلاً مني. تماماً كما قادت “سارة” موراكامي، تقودني هذه العناصر البصرية إلى حلول لم أكن لأصل إليها بالتفكير المنطقي الصارم.

إنَّ مهنة التصميم في عمقها هي ممارسة “للارتجال فوق إيقاع متين” بحد وصف موراكامي .. الإيقاع هنا هو القواعد الأكاديمية، والشبكة التصميمية، وفلسفة اللون .. أما الارتجال فهو تلك اللمسة السحرية غير المتوقعة التي يضيفها لاوعينا على هذه القواعد. المصمم المبدع ليس هو من يسيطر على كل بكسل بوعي، بل هو من يملك الشجاعة ليثق بحدسه، ويترك المساحة لـ “أقزامه” كي يقودوا علبة تروس الإبداع نحو وجهات لم يكن يتخيلها عند بداية المشروع.

لمن أُصمم ولمن أكتب؟

تصلني بشكل دوري إحصاءات هذه المدونة المتواضعة .. أرقام صاعدة وهابطة، وزيارات قليلة من هنا وهناك. وحين أنظر إلى تلك البيانات بوضوح، أدرك تماماً حجمي في هذا الفضاء الرقمي الشاسع .. فأنا لستُ نجماً مشهوراً، ولا “مؤثراً” يشار إليه بالبنان في عالم التصميم أو الكتابة، ولستُ ممن يملكون سلطة تغيير اتجاهات السوق بكلمة واحدة. هذا الواقع يضعني أمام سؤال وجودي طرحه هاروكي موراكامي .. لمن أكتب إذاً؟

في الحقيقة، اكتشفتُ أنني أشبه موراكامي كثيراً في إجابته على هذا السؤال. هو يقول إنه يكتب لنفسه أولاً، وإن دافعه الأول للكتابة في وقت متأخر من الليل، في السفر، في مقهى، في محطة القطار، كان مجرد الإحساس بأن “الكتابة تمنحه شعوراً جميلاً”، متسائلاً ببساطة: “ما الضير في أن تشعر بارتياح؟”. هو لا يكتب لجمهور محدد، بل يفترض وجود قارئ متخيَّل ترتبط جذوره بجذور الكاتب في مكان عميق ومظلم تحت الأرض، وتنتقل المغذِّيات بينهما عبر “خط أنابيب” من الثقة والصدق.

وأنا بدوري، وصلتُ إلى القناعة ذاتها .. لا يهمني عدد القراء، ولا تشغلني الأرقام الكبيرة، ولا أكترث حقاً إن كان أحدهم قد استفاد من هذا الهراء الذي أكتبه أو اعتبره مجرد ثرثرة، ولا أسعى لأن يلاحظني أحد أصلاً.

أنا أكتب، وأصمم، لسبب واحد بسيط وكافٍ: أنا مستمتع فعلاً.

أجد متعة خالصة في التلاعب بالكلمات كما أجدها في التلاعب بالصور. هذه المتعة الذاتية هي وقودي حتى نهاية حياتي، وهي السبب الذي يجعلني أستيقظ كل يوم لأفتح جهازي وأبدأ من جديد، دون انتظار لتصفيق الجمهور أو جوائز النقاد. فكما يقول موراكامي: “ما دمتُ أستمتع بما أكتب، فلا بدَّ من أن يكون هناك قراءٌ في مكانٍ ما يستمتعون بقراءته أيضاً”. وهذا الإيمان وحده يكفيني لأستمر.

عل كل حال، بحكم انتمائي لعالمَي الكتابة والتصميم معاً، تولَّدت لدي قناعة راسخة بأن ما طرحه موراكامي يتجاوز حدود صنعة الرواية. إنها مبادئ إنسانية شاملة لكل من يعمل المجال الإبداعي. سواء كنتَ شاعراً يطارد شطراً ضائعاً، أو رساماً يخلط ألوانه بذاكرته، أو محر فيديو يعيد ترتيب الزمن في الاستديو، فإن قوانين اللعبة الداخلية واحدة .. الأدوات تختلف، قد تكون قلماً، أو فرشاة، أو فأرة حاسوب، لكن ذلك القبو المظلم الذي نغوص فيه جميعاً لاستخراج المعنى، وتلك الرغبة العارمة في إصلاح النفس عبر الفن، هي جذرٌ واحد مشترك يربطنا جميعاً في هذا العالم الفسيح .. لذا أتمنى حقاً أن تكون هذه التدوينة مفيدة لمن مرَّ من هنا ووجد سلواناً بها.

اشتراك
إشعار إلى
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأعلى تصويتاً
تعليقات مضمنة
رؤية جميع التعليقات

تواصل معي

لأن كل مشروع عظيم يبدأ برسالة، أرسلها الآن، وسأقوم بالرد عليك بأسرع وقت.