ثمَّة روايات تُقرأ للتسلية، وأخرى لتمضية الوقت، وثالثة لأن أحدهم رشَّحها لكَ وأخبرك أنها تُحفة لتصل لمنتصفها وتتسائل إن كان الجميع يتظاهرون بالفهم كي لا يبدون أغبياء .. ثمّة أيضاً نوع نادر من الروايات لا يُكتَفى بأن تُقرأ بل تُعاش كحياة كاملة. روايات لا تمنح قارئها متعة القراءة بقدر ما تمنحه تجربة نفسيَّة مرهقة، خانقة، تستنزف تركيزه وعاطفته واكتئابه وحزنه وسوداويَّته، ثم يغلق غلافها تاركةً إياه مُختنقاً أكثَر مما كان عليه بالفعل.
“العاجزون عن التشبث” واحدة من هذه الروايات.
أول انطباعٍ خرجتُ به عند قراءة أول 60 صفحة، أن هذه الرواية ليست للجميع .. نعم لنكُن صريحين، هناك مستويات ونوع من الطبقيَّة بين القُرَّاء. فالقارئ المتمكِّن يختلف في نوعيَّة قراءاته عن القارئ المبتدئ، لا من حيث الفِطنَة أو التجربة الإنسانية طبعاً، بل من مدى تحمُّله النصوص الطويلة وقدرته على تحليلها، من حيث صبره على البُطئ واحتماله للغموض وأُلفَته مع الأعمال التي لا تشرح نفسها ولا تكافئ قارئها فوراً ولا تمنحه حبكة سهلة يتعلّق بها كي يواصل.
وهكذا، بعضُ الكتب يمكن أن يحبَّها أي شخص تقريباً ما دام يملك الحد الأدنى من الاهتمام والوقت. أما الكتب الأخرى، فهي لا تفتح أبوابها إلا لمن قضى سنوات يدرِّب عينيه على قراءة ما وراء السرد، وعلى تحمُّل النصّ حين يراوغ ويتعمّد أن يكون ثقيلاً .. والعاجزون عن التشبث من هذا الصنف تحديداً .. هكذا إذن وجدتُ نفسي أمام هذا العمل الذي لا يكتفي بأن يطلب من قارئه التفرُّغ وحسب، بل يطلب منه خبرة سابقة باللغة والأدب والأسايب السردية غير التقليدية. وبالصبر .. الكثير من الصبر .. هذه ليست رواية يمكنك أن تقرأها وأنت منشغل أو قبل النوم بنصف ساعة، أو وأنت مصابٌ بعفنٍ دماغيٍّ تلتقط هاتفك كل خمس دقائق لتتفقد إشعاراً من تطبيق ما. إنها رواية تتطلب حضوراً ذهنياً كاملاً، وصبراً يشبه صبر من يدخل متاهة وهو يعلم مسبقاً أن جزءاً من متعتها قائم على الضياع فيها.
ولذلك، لا أقول هذا بوصفه تباهياً نخبويّاً للمثقَّفين الذي يُصرُّون على استخدام مصطلحات صعبة كي يُمايزوا بينهم وبين العوام، بل توصيفاً صريحاً لطبيعة هذا العمل ومما لا يسَع القارئ المُقبِل على الرواية جهله. من يدخل هذه الرواية متوقِّعاً سرداً تقليدياً أو حبكة واضحة أو إيقاعاً سريعاً، سيغلقها غالباً خلال المئة الأولى (من أصل 600) وهو يتساءل لماذا يحتفي الناس بهذا القدر بكتاب يبدو له مجرد فوضى سرديَّة لا بداية ولا نهاية واضحة لها. أما القارئ الذي سبق أن درّب نفسه على هذا النوع من الأدب كما قلت، فسيدرك مع الوقت أن ما يبدو في ظاهره فوضى وتشظّياً ليس خللاً في الكتابة بل سرداً يعرف تماماً ما يفعله، ويتعمَّد إرباك قارئه، لتعيش الحالة الكاملة لـ “اللامتشبّثون”.
لا أريد أن يُفهم من كلامي أن العاجزون عن التشبث رواية متعالية على القارئ أو متكلّفة، بل على العكس تماماً. إنها عملٌ أدبيٌّ مدهش إلى حدّ أن قسوتها على قارئها جزءٌ من عبقريّتها، رواية لم تُكتب لتُعجب الجميع، بل كُتبت لتترك في من فهمها ندبةً عليه التكيُّف معها للأبد. فإن بدا كلامي السابق أقرب إلى التحذير منه إلى المديح، فذلك لأن بعض الأعمال لا يمكن الثناء عليها إلا ببيان مقدار ما تتطلبه من قارئها. إنها رواية عظيمة إلى حدّ أن مشقّتها نفسها جزء من جمالها.
يستيقظ تورجوت أوزبن بعد أيَّام من انتحار صديقه سليم إشك ليجد نفسه مدفوعاً بفضولٍ وأسئلة عبثيَّة حول حادثة انتحار صديقه، هذه هي قصة الرواية باختصار مُخلّ. بالطبع لا تندرج تحت تصنيف أدب الجرائم والألغاز، هي لا تطرح تساؤلاً حول “كيفية” انتحار سليم، بل “لماذا” مات سليم، وما هي الأسباب التي أدَّت لذلك، وكيف يعيش تورجوت مع شعوره بالذنب كونه أحد الأشخاص الذين عرِفوا سليم ولم يستطيعوا إنقاذه من مصيره. ومن خلال رسائل سليم ومذكراته وأصدقائه القدامى، يكتشف تورجوت ملامح تلك الفئة التي أطلق عليها سليم اسم العاجزون عن التشبث.
الحقيقة لا أعرف كيف أبدأ حديثي عن هذه الرواية، ولا أعرف كيف يمكن اختزال 600 صفحة في تدوينة لن تتجاوز الـ 10,000 كلمة على أحسن تقدير. فبعد الانطباع الأول الذي أخذتُه عنها علمتُ أنني لا أقف أمام رواية عادية يُمكن لملمتها بجلسةِ كتابة واحدة أو بتصفُّح سريع لصفحات الرواية بعد انهائها لتذكُّر أحداثها والكتابة عنها كما أفعل عادةً (أنهيت التدوينة بالمناسبة بـ4 جلسات كتابيَّة، كل جلسة بين الـ4 إلى 7 ساعات)، لذلك كنت أكتب انطباعاتي أوَّل بأوَّل عند نهاية كل فصل (الرواية من 4 فصول رئيسية بمجموع 20 فصل فرعي)، وربما لهذا السبب استطعت إكمال الرواية فأنا قد توقَّفت فعلياً عن قرائتها لمدة شهر أو أكثر .. الرواية كما أسلفت مرهقة نفسياً، قرأت فيها بعضاً من أكثر الصفحات ألماً على الإطلاق، فكان توقُّفي هذا بمثابة تهيئة نفسيَّة لما أنا مُقدِم عليه في الفصل الثالث والرابع مثلاً. لذلك ارتأيت أنه حين أكتب عن هذه الرواية، فسأكتبها بالطريقة نفسها التي قرأتها فيها عبر تقسيم التدوينة لكل فصلٍ على حِذة، خلافاً أيضاً للطريقة التي أتَّبِعها عادة في تدوينات كهذه. لذا أرى من واجبي التنويه قبل انتقالي إلى الحديث عن الرواية فصلاً فصلاً، فإن كنت عزيزي القارئ تنوي قراءة العاجزون عن التشبث يوماً ما، فهذه فرصتك الأخيرة للتوقف عن قراءة هذا المقال والعودة بعد أن تنتهي منها أو الانتقال فوراً لقراءة إلى الخاتمة. أمّا إن كنت، كبقيّة البشر المشغولين الذين لا يستطيعون إلزام أنفسهم بقراءة 600 صفحة من الأدب التركي الكئيب ويودّون خوضَ التجربة والاطِّلاع على تفاصيلها دون قراءة الرواية، فتابع.
الفصل الأول .. عن الخراب الذي يتركه الغياب
يتَّضح لنا منذ الصفحات الأولى أن أوغوز أتاي (كاتب الرواية) لا يتعامَل مع انتحار سليم بوصفِه حدثاً افتتاحيَّاً يُراد به خلق تشويقٍ رخيص يدفع القارئ لمتابعة كشف لغزها، بل باعتباره حقيقة وانقضت ولم يبقَ منها شيء إلَّا أثرها النفسيِّ الكارثي على من ظلَّوا أحياء من بعده.
نتعرَّف على شخصيَّتنا الأولى، تورجوت أوزبن. إنسانٌ يتفكَّك ببطءٍ تحت وطأة الفقد. لا يُقدَّم حُزنه على فقد صديقه بصورته التقليديَّة المألوفة، لا بكاء، ولا ندب .. الحزن أكثر هدوءاً، وأكثر خُبثاً، وأكثر واقعيَّة. يأتي على هيئة أرق، شرود، انفعال غير مبرر، غضَب من الآخرين، سردٌ طويل لا يُعرف أوَّله من آخره، تساؤلات عبثيَّة، شكٌّ في المشاعر، ضيقٌ لا يعرف صاحبه كيف يشرحه.
"كيف وصل إلى هنا؟ ولأنه لم يتتبع هذا التدفق الذي جرى في رأسه، لم يستطع استبانته والعثور عليه، ولم يسمع أبداً عن مبتغى مثل هذا. كان الوقت معهم مختلفاً تماماً، إنها حقبة حكاية خرافية بين مخلوقات ما قبل التاريخ. كيف وسِعوا جميعاً في هذه الصالة ذلك اليوم؟ كيف لم يتحطم الأثاث؟ اجتمعوا حول مائدة الطعام. كانت الأطباق والبشر متشابكين على الطاولة الصغيرة. الأيدي التي تمتد نحو الأطباق تتشابك ببعضها البعض، وكانت الكؤوس والأكتاف تحتك فيما بينها."
تورجوت لا يبكي سليم فقط، بل يرفض موته رفضاً كاملاً.
يرفض غيابه لدرجة أنه يبدأ باستحضاره داخل رأسِه، محاوراً إياه كما لو أن شيئاً لم يحدث .. يقرأ أوراقه، فيسمع صوتَه بين السطور. يتخيل ردوده، سخريته، تعليقاته، حتى يصبح من غير الواضح للقارئ أين تنتهي النصوص التي تركها سليم وأين تبدأ هلوسات تورجوت .. يتَّضح لك أن هناك تلاعُباً في النص وأن هناك راوٍ غير موثوق. ما نقرأه وعي مضطربٌ يرويه رجل لم يعد متأكداً تماماً مما حدث، أو مما يتخيل أنه حدث، أو مما يتمنى لو أنه حدث. هذه الضبابية ليست عيباً سردياً ولا تعقيداً مُفتعلاً، بل جزء جوهري من التجربة. لأن الفقد نفسه يفعل هذا بنا. يشوّه الذاكرة، يخلِط الواقع بالافتراض، ويحوّل الماضي إلى نصّ مفتوح لإعادة التأويل.
وكلُّ من مرَّ بتجربة فقدٍ حقيقيَّة، سيُدرك فوراً مقدار الدقَّة المرعبة التي يكتب بها أتاي هذه الحالة. لأن الفقد في الواقع لا يأتي دائماً بانهيارٌ لحظيٌّ ودموع وصراخ ثم مرحلة “تقبُّل” كما لو أن الحزن برنامج علاجي من خمس خطوات كما يقول علم النفس. ما يفعله الفقد الحقيقي في الإنسان أشدُّ التواءً من ذلك بكثير .. إنَّه يُفسد طريقتك في التفكير قبل أن يُفسد مزاجك، يُربِك علاقتك بالزمن، يجعل اليوم يمرّ ببطءٍ خانق، ويحوِّل أكثر التفاصيل اعتياديَّة إلى استفزازٍ لِحُزنك الشخصيِّ: ضحكةُ أحدهم العالية، سؤالٌ عابر من قريبٍ لا يعرف ما يقول، طلب ولَّاعة من أحدهم، بكاء طفلتيك ونوم زوجتك، أو حتَّى استمرار العالم في حركته الطبيعيَّة بينما تشعر أنت أن شيئاً جوهريَّاً قد انكسر في نسيج الكون نفسه. أتاي يكتب عن الفقد كتشوُّه مؤقت أو دائم في وعي الإنسان بالعالم من حوله.
تورجوت يشعر أنه قد خان صديقه .. يشعر أنه اختار حياةً مريحة، مستقرة، بينما تُرك صديقه يغرق وحيداً في انهياره .. زواجه، منزله، أثاثه المرتّب، كتبه المصطفّة على الرفوف، حتى يومياته البسيطة مع زوجته وبناته، كلها تبدأ فجأة بالظهور أمامه كدلائل إدانة لا كمظاهر نجاح. وكأن تورجوت لا يرى حياته بعد موت سليم سوى أنَّها سلسلة طويلة من التنازلات التي قدّمها كي يصبح “إنساناً طبيعياً” مقبولاً اجتماعياً.
"عزيزي سليم، آه لو أننا نستطيع لعب هذه الألاعيب دائماً. لو كان بإمكانك أن ترتاح قليلاً. لو أنك تترك رأسك المضطرب وشأنه وتستجمع قواك بعض الشيء. من الذي يمكنه تحمل هذا طوال الوقت؟ كيف لا ترى هذه الحقيقة التي يعرفها أبسط الناس؟ كيف يمكنني أن أراك تعيش بين هذه الصفحات وأكابد موتك؟ دلني على طريقة لتحمل هذا الألم. شدَّ على خصره بأصابعه بكل قوته. لا بد أن أقرأ، لا بد أن أعرف، لا بد أن أقرأ. لا بد أن أشاركك عملك مهما بلغ ألمي."
النجاة الاجتماعية قد تكون أحياناً شكلاً من أشكال الخيانة
تورجوت لم يُسئ إلى سليم كغيره من الأشخاص من حوله، لكنَّه يشعر بالذنب ويُحمِّل نفسَه جزءاً من مسؤوليَّة موتِ سليم لأنه نجا من المصير ذاته عبر انقياده مع التيَّار وتطبيع علاقته بالحياة .. سليم مات لأنه عَجِز عن التشبُّث بالعالم، وتورجوت عاش لأنه استطاع التشبُّث. وهذه المفارقة كافية لتمزيق تورجوت من الداخل.
هناك تناقَض ظهَر أثره بين الانهيار الداخليِّ الذي عاشه تورجوت وبين استمرار الحياة اليومية حوله بشكل طبيعي سخيف لا يرحم. زوجته تريد تعلُّم القيادة، ابنتيه مشغولتين في دروسهما، الأحاديث المنزلية مستمرة، الروتين الحداثيِّ يواصل سيره ببلادة آلية كأن شيئاً لم يحدث. فالعالم يا عزيزي لا يتوقَّف حين ينهار عالمك.
الكاتب لم يكتفِ بجعلِنا نفهم ألم تورجوت، بل جعلنا نفهم سبب عجزه عن مشاركته مع أحد. فهو لا يستطيع الشرح لزوجته مثلاً لماذا يشعر بكل هذا الخراب، لأن اللغة اليومية البسيطة لا تكفي لوصف حزن بهذا التعقيد. فيلجأ إلى الأعذار الجسدية المعتادة: صداع، تعب، ألم معدة، ملل، ضجَر، غضب. وهي كذبات صغيرة يعرف كل من اختبر حزناً حقيقياً أنها ليست كذباً تماماً .. فالألم النفسي حين يعجز عن الخروج من الفم، يخرج من الجسد.
لم أستطع منع نفسي من استحضار مفهوم “اللامنتمي” كما صاغه كولن ولسون في كتابه. ذلك الإنسان الذي يمتلك وعياً حادّاً، فيرى زيف المُجتَمع بوضوحٍ يعجز الآخرون عنه، لكنه في الوقت ذاته عاجز عن تجاهله أو التعايش معه كما يفعل الطبيعيون. وسليم إشك يبدو أقرب ما يكون إلى هذا النموذج، ليس رجلاً فاشلاً اجتماعياً لأنه أقل ذكاءً أو أقل كفاءة وموهبة من الآخرين، بل لأنه يرى اللعبة بوضوحٍ أكبر من المشاركة فيها بحسن نيّة. يرى نفاق المجتمع، ولاجدوى العادات الاجتماعية، وهشاشة المعايير التي يُقاس بها النجاح، ثم يُطلب منه بعد كل ذلك أن يتصرّف كأن شيئاً من هذا لا يزعجه.
ومثل كل لامنتمٍ حقيقي، لم تكن مأساة سليم أنه لم يفهم العالم، بل أنه فهمه أكثر مما يحتمل.
ترانيم اللامتشبِّث ..
أعترف أن انطباعي الأوّل عنها كان النفور.
جاء هذا القسم في لحظة لم أكن قد تكيَّفت فيها بعد مع طبيعة النصّ ولا مع مزاج أوغوز أتاي السرديِّ. فجأةً تتوقّف الرواية لتسلِّمكَ قصيدةً طويلة تتبعها صفحات من الشرح والجرح والتعديل والتعليل والتعليق، وكأن الكاتب قرر في منتصف الطريق أن يختبر مدى جدّية التزامك بهذا العذاب الأدبي الذي بين يديك.
مشكلتي معها لم تكن في وجودها بحدِّ ذاتها، بل في الحاجز اللغوي والجمالي الذي فرضته عليّ. فأنا ببساطة لا أقرأ الشعر العربي بما يكفي لأمتلك الأدوات التي تمكّنني من تذوّق عملٍ شعريٍّ مترجَم بهذا الثقَل، فضلاً عن تقييم مدى حفاظه على روح الأصل التركي. صحيح أني أدركت أثناء القراءة أن النصّ أمامي مترجَم بعناية هائلة، وأن المترجم بذل جهداً واضحاً في إعادة تشكيل الترانيم بلغةٍ عربية أدبية تحاول أن تمنحها الوزن والرهبة والبلاغة نفسها، لكن إدراكي لجهد الترجمة شيء، وقدرتي على التفاعل مع الشعر المترجَم شعوريّاً شيء آخر تماماً.
ولهذا وجدت نفسي، أتجاوز كثيراً من أبيات الترانيم نفسها وأنتقل مباشرة إلى الشروح اللاحقة لها لأنني شعرت أنني سأفهم ما يريد النصّ قوله من خلال تحليلها أكثر مما سأفهمه من التفاعل المباشر معها. وربما قد يُعدُّ كلامي هذا اعترافاً مشيناً يقتضي سحب رخصتي القرائية والكتابيَّة، لكن ليكن. لا طاقة لي بادّعاء استمتاعي بشيء تجاوزتُه فعلياً فقط كي أبدو أكثر حِنكَة أمام الغرباء على مدونتي الشخصيَّة.
ومع ذلك، كلَّما تقدّمت في الرواية، أدركت أن الترانيم لم تكن حشواً كما ظننت أول الأمر، بل كانت بمثابة الاختبار الحقيقي الأوَّل للقارئ. اختبار لصبره وتركيزه واستعداده لقبول أن هذه الرواية لن تلتزم بأيّ سردٍ تقليدي معه. فإن استطعت تجاوز الترانيم، أو على الأقل التعايش معها، فقد تجاوزتَ فعلياً العتبة الأصعب في الرواية، وصرت مهيّأً نفسياً لما هو أكثر جنوناً لاحقاً .. يبدو أن شعوري بالملل أو التوهان في هذا القسم هو تأثير مقصود تعمَّده الكاتب! أتاي تعمَّد إرهاقي عبر لغة لزجة وكثيفة ومصطلحات أكاديمية وفلسفية معقَّدة في قسم الشروحات. أرادني أن أشعُر بالضيق والاختناق والعبثية التي كان يشعر بها سليم وتورجوت تجاه هذا المجتمع المزيَّف. وقد نجح بهذا نجاحاً باهراً !
باختصار، إن كانت الصفحات المئة الأولى هي بوابة الدخول إلى عالم العاجزين عن التشبُّث، فالترانيم هي الحارس الواقف عند الباب يسألك إن كنت متأكداً فعلاً من رغبتك بالعبور. هذا القسم لا يشرح لك لماذا كان سليم عاجزٌ عن التشبث، بل يجعلك تشعر بالعجز ذاته. ولذلك هيَ رواية عظيمة، فهي لا تشرح لكَ الفكرة، بل تفرِض عليك عيشَها.
الفصل الثاني .. حين يختلط الواقع مع الهذيان
كتبت فيما مضى في إحدى مدوَّناتي حين أصابني فقدٌ شديد ما يلي: “لا أذكر كيف كنتُ أمارس حياتي بشكلٍ طبيعي في السابق .. كل شيء الآن بات يتطلب مجهوداً مضاعفاً. أن أعمل بتركيز، أن أمشي في الشوارع دون أن أضيع في أفكاري، أن أقود السيارة ولا أشعر بأن الطرق تتلوَّى أمامي. حتى مشاهدة فيلم كوميدي باتت مهمة شاقة، أضحك فقط لأثبت لنفسي أنني ما زلت أستطيع الضحك. أحاول التحدَّث مع من أحبّهم بنفس العفوية التي اعتدتها لكن الكلمات تبدو ثقيلة. لا مفرّ .. يبدو أن هذا الحزن قد قرر الاستقرار داخلي إلى الأبد .. ضيف ثقيل لا يغادر ولا يمنحني حتى فرصة لالتقاط أنفاسي.”
وأظنّ أن هذا الوصف يعبِّر بدقَّة عن المرحلة التي دخلها تورجوت وصولاً للفصل الثاني. في بداية الرواية كان الحزن عنده لا يزال حدثاً طارئاً، صدمةً حديثة، جرحاً مفتوحاً يحاول استيعاب وجوده. أمّا الآن، فقد بدأ الحزن يفعل ما يفعله. بدأ بالتحوّل إلى جزءٍ من بنية الإنسان نفسه. لا يعود شيئاً يعانيه المرء، بل شيئاً يعيش من خلاله. هكذا تحوَّل لرجلٍ يرى العالم كلَّه من وراء حزنه.
لم تعد رحلة تورجوت بحثاً عقلانياً عن تفسيرٍ لانتحار سليم، بل انزلاقاً بطيئاً نحو المنطقة نفسها التي ابتلَعت سليم من قبل. يبدأ بالتصرُّف كما لو أن فهم صديقه لا يمكن أن يتم من الخارج، السبيل الوحيد لإدراك من كان سليم حقاً هو أن يتقدّم هو نفسه خطوةً خطوةً نحو الحافّة ذاتها. لم يعد الأمر مجرَّد حزن على صديق مات، بل تحوَّل إلى استحواذ كامل.
وبالتوازي، يتخلى أوغوز أتاي أكثر فأكثر عن تظاهره بالسرد التقليديِّ ويبدأ النص نفسه بالانزلاق نحو الهذيان. الأحداث موجودة نعم، لكن الرواية لم تعد تهتم بها. ما يهمّها هنا هو كيف يبدو العالم حين يبدأ العقل بفقدان قدرته على التعامل معه بطريقة طبيعيَّة؟
تتجلّى هذه النقلة منذ مشاهد تورجوت مع أحد أصدقاء سليم القدامى يُدعى متين، وهي مشاهد كان يمكن لكاتب أقل جرأة أن يكتبها باعتبارها مجرَّد استرجاع معلومات عن الماضي. لكن أتاي، لأنه يرفض أن يفعل أي شيء بطريقة مباشرة ككاتبٍ طبيعيِّ، يحوّلها إلى فصل كامل من الكوميديا السوداء والانهيار النفسي .. فما بدا كجلسة شرب واستجواب ينتهي بليلة سُكر عبثيَّة وبيت دعارة، وخطابات ملكيَّة هذيانيَّة يعتلي فيها تورجوت الطاولات معلناً نفسه وارثاً للممالك، ومحاطاً بمومسات وزبائن ينظرون إليه كما يُنظر عادةً إلى رجل فقد آخر خيوط اتصاله بالواقع. هذا المشهد، رغم عبثيَّته المضحكة (الحقيقة أنني ضحكت كثيراً خلال قراءته) لكنه ليس مضحكاً في حقيقته أبداً. لأن تورجوت لا يمرح ولا يلهو، ولا يعيش لحظة تحرُّر مجنونة عابرة كما قد بدا لسًكَّان مملكته. هو ينهار. ينهار علناً أمام الجميع، لأن الانهيار الصامت لم يعد يتسع لما بداخله. إنه يُضحِك العالم في اللحظة نفسها التي يلفظ فيها عقله آخر بقايا اتزانه.
وهنا تحديداً "ينبثق" أولريك.
ذُكِر أولريك في الجملة الأولى من الرواية “حينها لم يكُن أولريك قد انبثق بعد” طبعاً حين قرأتها لم ألقِ لها بالاً إلى حين انتهائي من الرواية وعودتي للصفحات الأولى، فبدا الأمر أن ما حدث ليس مجرّد ظهور شخصية جديدة في السرد، بل ولادة شيءٍ كان كامناً داخل تورجوت منذ البداية، ينتظر فقط اللحظة المناسبة ليتشكّل.
لم أستطع بالضبط تحديد موقفي من أولريك هذا في البدء .. أعني، هل أُصيبَ تورجوت بالفصام مثلاً؟ وهذا سؤال مشروع تماماً، لأن أوغوز أتاي يُقدِّم ظهور أولريك على الحدِّ الفاصل بين المجاز والواقع بحيث لا يمنحك ترف الجزم بأيّ تفسير. لكن كُلَّما تقدَّمتُ في القراءة، بدا لي أن التعامل مع أولريك كهلوسة مرضيّة بالمعنى الطبيّ المباشر ماهي إلَّا قراءةٌ سطحية أكثر مما ينبغي.
إذن أولريك ليس دليلاً على فقدان تورجوت لعقله، بل على فقدانه قدرته على تحمّل عقله بصورته السابقة. إنه الجزء الذي انشطر منه حين لم يعد قادراً على احتواء تناقضاته ضمن ذاتٍ واحدة متماسكة .. الصوت الذي يعلِّق حين يعجز تورجوت عن التعليق، ويسخر حين لا يملك الجرأة على السخرية، ويقول الحقيقة العارية حين يحاول هو تغليفها بالمجاملة والمنطق والتحضّر. ليس شخصاً آخر بقدر ما هو وعيٌ بديل، نسخة أكثر وحشيّة وصدقاً من تورجوت نفسه. وجود أولريك يبدو أقرب إلى آليّة دفاع نفسي متطرّفة. حين يتعرّض الإنسان لضغط عاطفيّ أو وجوديّ يفوق قدرته على الاحتمال قد يبدأ العقل بتقسيم نفسه داخلياً كي يتمكّن من مواصلة العمل (لوهلة تذكّرت مارك في مسلسل Severance الذي كتبت عنه بالفعل، وكيف أن حُزنَ مارك على زوجته جعله يشطُر ذاته هرباً من ألمه، فيخلق نسخةً أخرى تتحمّل عنه ما عجز هو عن احتماله. غير أن تورجوت يفعل الشيء نفسه هنا بطريقة أكثر مأساويّة وبدائيّة. فلا شركة تفصل وعيه، ولا آلة تشطر ذاكرته، بل حزنٌ محضٌ يشطر روحه نصفين كي يتمكّن من الاستمرار) .. يخلق مسافة بين الذات الخارجية والذات الداخلية، بين من يتألّم ومن يشرح الألم، بين من ينهار ومن يتهكّم على انهياره. وأولريك هو هذه المسافة وقد تجسّدت في هيئة صوت. لهذا لا أرى أن تورجوت “يرى” أولريك بالمعنى الحرفيّ البسيط، بقدر ما أنه بلغ مرحلة من التفكّك النفسي جعلت حواره الداخلي يتجسّد أمامه كشخصيّة مستقلّة. إنه لا يفقد صلته بالواقع تماماً، بل يفقد صلته بالنسخة القديمة من نفسه. هذا يعني أن أولريك نتيجةٌ منطقية تماماً لمسار تورجوت النفسي.
يمكن النظر إلى أولريك أيضاً باعتباره نُسخة من سليم داخل تورجوت. فبعد أن قضى الباب الأوّل كلّه يحاول استحضار سليم، وقراءة أفكاره، والتحدّث إليه، ينتهي به الأمر إلى مرحلة لم يعد فيها صوت سليم الخارجيّ كافياً. كان لا بدّ أن يتحوّل هذا الصوت إلى شيء أعمق: إلى جزء مزروع داخل بنيته النفسيّة نفسها. كأن تورجوت، في محاولته لفهم سليم، سمح لسليم أن يعيد تشكيله من الداخل. وأولريك هو ثمرة هذه العدوى الوجوديّة. ولذلك فإن السؤال الحقيقي هل كان يستطيع النجاة دون أن ينقسم بهذه الطريقة؟ لأن أولريك، مهما بدا علامة انهيار، هو في الوقت نفسه وسيلة بقاء .. طريقة اخترعها تورجوت ليواصِل التفكيرَ دون أن يختَنِق، وليُفرغ تناقضاته دون أن يتمزّق بالكامل. إذاً لماذا هي رواية عبقرية؟ (بالمناسبة كم مرة استخدم كلمة عبقرية في وصف الكاتب والرواية؟) لأن أتاي لا يقدّم لنا شخصية مجنونة، بل يقدّم إنساناً يتفكّك نفسيّاً بطريقة يمكن لأيّ قارئ أن يفهمها. فكم من مرّةٍ استحضرت أنت شخصاً فقَّدته للأبد وأجريت معه حوارات داخل رأسك؟ كم من مرّة راقبت ذاتك من الخارج كأنها شخص آخر؟ كم من مرّة شعرت أن داخلك أكثر من أنا واحدة تتنازع عالسيطرة؟ جماليَّة هذه الرواية تكمن في عدد التحليلات اللانهائية التي يمكن الخروج بها .. عن نفسي أودُّ تصديق التحليل الثاني، أن أولريك ما هو إلا نُسخة من سليم داخل رأس صديقه .. نعم، فدماغي أيضاً حين عاش الفقد بَثَق نُسخة عن المفقود وصار يتحاور معه حواراتٍ وهمية صرت أشكٌّ فعلياً إذا وقعت أم لا.
الفصل الثالث .. الكلمات الخانقة
إن كان الفصلان الأوّلان قد قدَّما انهيار تورجوت كموضوع رئيسيِّ للأحداث، فإن الفصل الثالث هو اللحظة التي يتوقّف فيها أوغوز أتاي عن وصف الانهيار ويبدأ بإجبار قارئه على اختباره بنفسه. لم يَعُد الراوي مهتمّاً بأن يحكي لك ما يشعر به سليم أو تورجوت، بل قرَّر أن ينقل هذا الشعور إلى جهازك العصبي مباشرةً، وأن يجعل فعل القراءة ذاته تجربةً مرهقة خانقة تحاكي ما تعيشه شخصيّاته. ولهذا يشرع أتاي في تحطيم البنية الشكلية للنصّ نفسها. تختفي علامات الترقيم، تتلاشى الحدود بين الجمل، ينهار الإيقاع المنظّم، وتتحوّل الصفحات إلى كتل لغويّة متدفقة بلا رحمة .. هذا ليس استعراضاً تجريبياً فارغاً عابثاً بالشكل كي يُقال عنه أنه “عبقري” بينما لا يملك ما يقوله أصلاً، بل قرارٌ فنّيّ واعٍ تماماً .. فالنحو والترقيم والترتيب ليست مجرّد أدوات كتابة عاديَّة، بل هي الوسائل الرئيسية لفرض النظام على الفوضى وحين يسحبها أتاي من بين يديك فهو يعبث بكَ ويجرِّدك من المسافة الآمنة التي تفصلك عن النص .. هذا الفصل مُرهِقٌ فعلاً على جميع الأصعدة .. نفسيّاً، وعقليّاً، وبصريّاً، بل وحتى جسديّاً. أنا أتحدث عن كتلةٍ نصيّة هائلة تمتدّ لأكثر من 60 صفحة متواصلة بلا رحمة راحة أو إمكانيَّة تعليم لتتوقف وتعود من حيث توقَّفت. تحتاج ما يقارب أربع ساعات من القراءة المركَّزة كي تعبرها عبوراً حقيقيّاً. وتحتاج أثناء ذلك أن تبقى يقظاً بما يكفي لتفهم من الذي يتحدّث في كل لحظة أهو سليم؟ أم تورجوت؟ أم جونسلين؟ أم أولريك؟ أم أنّ الجميع انصهروا في بعضهم حتى صار الصوت الواحد يخرج من أربعة أفواه في آنٍ واحد؟ التعب في هذا الفصل هو جزءٌ من التصميم الجمالي نفسه. أتاي لا يريدك أن تفهم انهيار سليم من الخارج كما تفهم قصة مأساويّة تُروى لك بأمانٍ. هو يريد أن يجرّك إلى داخل هذا الانهيار، أن يسلبك امتياز المسافة الآمنة بينك وبين النص، فيحوّل القراءة نفسها إلى فعل إنهاك. لم يعد بإمكانك قراءة انهيار تورجوت وجونسلي من الخارج. عليك الآن أن تختبره من الداخل، أن تتعثر في صفحاته كما يتعثر هو في وعيه، أن تبحث عن أنفاسك بين السطور فلا تجدها. جونسلي هي الحب الحقيقي الأخير في حياة سليم. إنَّها القطعة الأخيرة اللازمة لفهمه فهماً كاملاً. فمن خلالها نرى سليم في أكثر حالاته هشاشة وإنسانية، نراه كرجلٍ حاول أن يعيش كما يعيش الناس. حاول أن يحبّ، أن يخرج في نزهات، أن يضحك، أن يتصرّف كشخص طبيعي يتشبّث بالحياة عبر أبسط منافذها وأكثرها إنسانية، امرأة تمنحه سبباً للبقاء. لكن حتى هذا يفشل. لا لأن الحب لم يكن كافياً، بل لأن المشكلة في سليم لم تكن يوماً نقصاً في الأشياء التي تستحق العيش، بل عجزاً بُنيويَّاً عن الانسجام مع العالم الذي يحتويها .. كانت جونسلي أقرب ما يكون إلى الحياة التي حلم بها، ولهذا بالذات كانت مؤلمة، لقد منحته جونسلي دليلاً ملموساً على حجم الهوّة بين ما يمكن أن تكون عليه الحياة وما اضطر هو إلى عيشه فعلاً. تبدأ الصفحة الأولى من الفصل وأنت تحاول مجاراته، ثم بعد عشر صفحات تشعر أن عينيك تتابعان الكلمات بينما دماغك يطلب استراحة، وبعد ثلاثين صفحة تبدأ بإعادة قراءة الأسطر لأنك فقدت الخيط دون أن تدري متى ضاع، ثم تصل إلى مرحلة غريبة تشعر فيها أن الإرهاق الذي يعتريك لأن النص نفسه يضغط عليك وصرت مُلزماً بإنهائه في ذات الجلسة كي لا يضيع منك وتُضطر للعودة في يومٍ آخر لملاحقة الخيط الضائع .. الأهم من ذلك أن هذا الإرهاق لا يخدم والمعنى بدقَّة مذهلة. فكيف يمكن لرواية عن اللامتشبّثين أن تجعلك تفهم حالتهم حقّاً لو ظلّت سهلة القراءة مرتّبة مريحة تمنحك فواصل ذهنيّة تلتقط فيها أنفاسك؟ ذلك سيكون خيانة للفكرة ذاتها. هذه الشخصيات لا تعيش حياتها بوضوحٍ وترتيب، فلماذا يجب أن تُروى معاناتها بلغة واضحة ومرتّبة؟ النصّ منهك لأن الوعي الذي ينقله منهك. الجملة تختنق لأن صاحبها يختنق. والصفحة تبدو بلا نهاية لأن حياة سليم نفسها بدت له بلا مخارج. لهذا أرى أن هذا الفصل هو الاختبار الحقيقيّ للقارئ، لا الترانيم ولا الصفحات الأولى ولا أيّ قسم آخر. لأنك هنا لا تعود تقرأ الرواية كمتلقٍّ، بل تبدأ الرواية بقراءتك أنت. تختبر صبرك، قدرتك على الاحتمال، استعدادك لأن تبقى داخل نصّ يرهقك عمداً دون أن يمنحك مكافأة فوريّة. فإن خرجت من هذا الفصل وأنت لا تزال راغباً في المتابعة، فقد صرت واحداً من اللامتشبثين. وربما، بشكلٍ غير مريح إطلاقاً، بدأت تفهم لماذا لم يكن سليم قادراً على احتمال الحياة حين كان مجرّد التفكير بها يبدو بهذا القدر من الإنهاك.
الفصل الرابع .. مذكرات سليم
بعد 500 صفحة من مطاردة سليم عبر ذاكرة الآخرين وتأويل أفعاله وتشريح أثره فيمن خلَّفهم وراءه، تأتي مذكّراته في الفصل الرابع ليقرر الراوي أخيراً أن يفتح لنا الرأس الذي دار كل شيء حوله منذ البداية. وللمرّة الأولى لا نرى انعكاس صورة سليم في أعين الآخرين، ولا أسطورةً يبنيها الحزن والذنب والحنين، بل نسمعه مباشرةً بصوته هو. أتاي أخَّر صوت سليم الحقيقي حتى النهاية عمداً ليجعل القارئ يقضي معظم الرواية وهو يطارده كما طارده تورجوت، ثم يمنحه أخيراً الكلمة الأخيرة بعد أن تكون الأجوبة قد نضجت بما يكفي. مذكرات سليم هي التتويجٍ لكل ما سبق، المفتاح الأخير الذي يعيد ترتيب الرواية بأكملها في ذهنك ويجعل كثيراً من الفوضى السابقة تبدو فجأة أكثر إحكاماً ممّا ظننت. هنا نفهم الترانيم أكثر، نفهم هوسه باللغة، وسخريته المفرطة، ونفهم أن كل ما بدا سابقاً استعراضاً فلسفيّاً أو عبثاً لغويّاً لم يكن إلا محاولات رجلٍ يائس للتطبيع مع عالمٍ لم يستطع قط أن يعيش فيه بسلام. يبلغ مفهوم العاجز عن التشبّث اكتماله الكامل. لم يكن سليم مجرّد رجل مكتئب ولا عاشق فاشل ولا مثالاً رومنسيّاً للمثقّف الحزين. كان إنساناً بلغ من الوعي والرهافة والاشمئزاز من الزيف حدّاً جعله غير قادر على ممارسة أبسط أشكال الحياة دون شعورٍ دائم بالاغتراب والتلوّث الداخلي. كل محاولةٍ للتكيّف بدت له خيانة، كل تسوية اجتماعيّة بدت تنازلاً أخلاقيّاً، كل دورٍ مطلوبٍ منه أداؤه شعر معه أنه يبتعد خطوة إضافيّة عن نفسه الحقيقيّة. وهكذا لا تبدو المذكّرات كاعترافات رجل يشرح لماذا مات، بل كرجل يشرح لماذا أصبح الموت في نظره النتيجة الأكثر اتّساقاً مع منطقه الداخلي.
وبالتوازي مع ذلك، يصل تورجوت لقرار المغادرة بعد رحلةٍ من تفكيك حياته القديمة قطعةً قطعة، وبعد أن ذاب تدريجيّاً في عالم سليم وأفكاره حتى لم يعد قادراً على العودة إلى نسخته السابقة، يصبح الرحيل النتيجة الطبيعيّة الوحيدة. لا يعود قادراً على الاستمرار كما كان، ولا على تجاهل ما عرفه، ولا على العيش داخل الحياة ذاتها التي كان يراها مستقرة وآمنة في بداية الرواية. وهكذا تنتهي الرواية بإحساسٍ واضح أنها لم تكن تحكي عن موت سليم وحده أبداً، بل عن العدوى التي يتركها الوعي حين ينتقل من شخصٍ لآخر.
"ماذا لو أردت يوماً ما العودة إلى حياتي القديمة؟ لقد أوضحنا أنه لا مانع من ذلك. أعرف، وأنا أعني ماذا لو لم أرد العودة. ألا تظنون حينها بأن الحال مخيف؟ بهذا التفكير ستعانون هنا كثيراً. هنا، لا تؤخذ العودة بالاعتبار أبداً. لستم جاهزين بعد. أدري. دائماً ما أجد صعوبة في التواؤم مع الأنماط. هذا قدري. تعرفون، إن الذين يعانون بيننا مثلكم هم الذين لم ينسوا بعد كيف يفكرون. التفكير بالنسبة لهم ليس سوى مصدر معاناة. إن التفكير الذي وصل بهم إلى هذا الوضع المأساوي، لم يعد الآن إلا عبئا عليهم لا ينفعهم في تنظيم حيواتهم، وآلة عقيمة تمنعهم من قبول الحرية التي وهبناها إليهم. هذه الآلة تلفظ أنفاسها الأخيرة وستنفجر أخيرا لأنها لا تعرف كيف لها التوقف."
إذاً، من هم العاجزون عن التشبُّث؟
الوصف أعلاه هو اقتباسٌ مباشر من الكتاب، وهو مقطعٌ في شرح الترانيم حيثُ ذُكِر فيها هذا الوصف، فقام الكاتب على لسان إحدى الشخصيات بشرحٍ مستفيض حول “العاجزين عن التشبُّث” .. هذا الوصف، رغم عبثيّته الظاهريّة وسوداويّته الساخرة، في جوهره، هو التشريح الأدقّ لحالة الاغتراب التي تحاول الرواية بأكملها الحديث عنها. الإنسان الذي وُلِد بأدواتٍ نفسيّة وأخلاقيّة لا تناسب العالم الذي أُلقي فيه. الإنسان الذي يشعر دائماً أن هناك خللاً تكوينيّاً ما فيه، لا لأنّه أضعف أو أقلّ ذكاءً أو أقلّ كفاءة من الآخرين، بل لأن تركيبته الداخليّة نفسها لا تنسجم مع طبيعة الحياة كما تُعاش حوله.
العاجز عن التشبّث إذن ليس الفاشل بالمعنى التقليديّ ولا المنبوذ اجتماعيّاً ولا المكتئب وحسب ولا ذلك النموذج الرومنسيّ الساذج الذي يحبّ المراهقون تخيّل أنفسهم عليه لأنهم استمعوا لأغنيتين سوداويتين وقرأوا اقتباساً لدوستويفسكي على إنستغرام. العاجز عن التشبّث هو إنسانٌ يمتلك من الرهافة والوعي والحساسيّة ما يجعله يرى تناقضات العالم بوضوحٍ يفوق قدرته على التعايش معها. يرى أن كثيراً ممّا يسمّيه الناس نضجاً ليس إلا اعتياداً على التنازل، وأن كثيراً ممّا يسمّى نجاحاً ليس إلا براعةً في لعب أدوار اجتماعيّة مكرّرة، وأن معظم العلاقات الإنسانيّة قائمة على قدرٍ من المجاملة والزيف والتمثيل الضروريّ لاستمرار المجتمع. لكنَّه، بخلاف الآخرين، لا يملك الموهبة النفسيّة اللازمة للتغاضي عن ذلك والمضيّ قدماً. يعرف قواعد اللعبة، لكنه لا يستطيع لعبها دون أن يشعر بأن روحه تتآكل مع كل دور يؤدّيه.
سليم يرى نفسه ومن يشبهه كائناتٍ غير مناسبة بنيويّاً لهذا العالم .. قوانينه ببساطة كُتبت لكائناتٍ أصلب جلداً أقلّ حساسيّة أكثر استعداداً للمساومة. فاللامتشبّث يسقط لأن محاولاته تتم بأدواتٍ لم تُخلق لهذا العالم. إنّه ذاك الذي يريد أن يعيش بصدقٍ كامل في عالمٍ لا يكافئ الصدق، وأن يبقى رقيقاً في عالمٍ ينجو فيه الأكثر خشونة، وأن يحتفظ بوعيه الأخلاقيّ كاملاً في مجتمعٍ لا يعمل إلّا بمقدارٍ محسوب من التنازلات اليوميّة الصغيرة. ولذلك فمأساته تكمن فيما يراه نفاقاً بيِّناً واضحاً، وهو في نظر الآخرين تكيّف واعتياد على العيش. اللامتشبّث يشعر أكثر مما يجب، إنسان مفرط الحساسية.
أما تورجوت فقط برع في التكيُّف والتأقلم قبل أن يتدهوَر وضعه مثل سليم. في بداية الرواية كان يقف خارج هذه الفئة غير مدرك لوجودها أصلاً، ولماذا يعبئ بهم وهو رجلٌ نجح في التشبّث بالحياة؟ بنى أسرة كوّن مهنة وارتضى العقد الاجتماعي المبني على النفاق الذي يجعل الإنسان قادراً على العيش في هذه الحياة. لكن كلّما فَهِم سليم أكثر، صار أقلّ قدرة على العودة إلى حياته القديمة. وكلّما انكشف له حجم الزيف الذي تقوم عليه حياته المستقرّة، بات التشبّث نفسه يبدو له ضرباً من جنون.
أعتقد أن معظم الناس يحملون لامتشبِّث صغير في داخلهم. لكن ما يميّز لامتشبِّث ظاهر مع منسجم ظاهر أن ذلك الأخير قادر على إخضاع لامتشبِّثه الكامن فيه. قادر إسكات ذلك الصوت الداخلي حين يبدأ بالتساؤل أكثر مما ينبغي وعلى إيقاف تدفّق الأفكار قبل أن يتحوّل إلى سيلٍ يجرّهم بعيداً، وعلى ممارسة القدر اللازم من العمى الانتقائي كي تستمر الحياة بصورة محتملة. فالتكيُّف في كثير من الأحيان ليس نضجاً ولا حكمةً كما نحبّ أن نسمّيه، بل مهارة نفسيّة في تجاهل ما لا يمكن احتمال التفكير فيه طويلاً. واللامتشبِّث هو من يعجز عن التوقّف عن الرؤية. من يفشل في إغلاق الباب الداخلي حين تبدأ الأسئلة الكبيرة بالتدفّق. معظم الناس يمرّون بمرحلة اللاتشبّث بحياتهم، منهم من تستمر معه لساعات وأشهر، ومنهم لسنوات ثم يكملون حياتهم بشكل طبيعي، يشربون قهوتهم ويذهبون إلى أعمالهم وكأن شيئاً لم يكن. أمّا اللامتشبِّث يقف عند هذه النقطة للأبد، السؤال عنده لا يمرّ بل يبقى ويتكاثر ويأكل ما حوله حتى يصير طريقةً دائمة لرؤية العالم.
النسخة العربية
الرواية من ترجمة عمير الأحمر المتخصص بترجمة الأدب التركي .. ترجمته متقنة تماماً. الجهد المبذول فيه ظاهر في كل صفحة تقريباً. في العناية بالنبرة، وفي محاولة نقل جنون أتاي اللغوي إلى العربيّة دون تسطيحه، وفي التعامل مع المقاطع الشعريّة كنصوص أدبية أعاد صياغتها لتناسب الأدب المترجم. وجدت نفسي في أحيان كثيرة أتوقّف أمام جملة متسائلاً عن كيف بدا هذا السطر أصلاً في التركيّة حتى خرج بهذه السلاسة في العربيّة؟ ومن الواضح أن المترجم لم يتعامل مع النص كناقلٍ محايد، بل كمَن خاض معه صراعاً حقيقيّاً ليخرجه بهذه الصورة. كما أن الهوامش والحواشي التي أضافها كانت في معظمها مفيدة ومُثريّة بحق، خصوصاً في رواية مشبعة بإشارات ثقافيّة وتاريخيّة تركيّة كان سيضيع كثيرٌ منها على القارئ العربي لولا حرصه على شرحها. المترجم يُضيف إليه فعلاً.
ومع ذلك، وليسامحني صديقي عمير على هذا الاعتراض بعد كل هذا المديح، فإن لديّ مأخذاً واحداً واضحاً عليه. وهو شرحه المباشر لخيارات أتاي داخل الهوامش، ولا سيّما في الفصل الثالث حين قرّر أن يفسّر للقارئ لماذا كُتب النص بلا علامات ترقيم. شعرتُ بصراحة أنه ارتكب خطيئة كبيرة بحقّ أتاي والرواية وحرق وأفسَد المفاجأة على القرَّاء. منطقياً، القارئ الذي وصل إلى منتصف هذه الرواية أصلاً ليس طفلاً يحتاج إلى أن يُؤخذ من يده ويُقال له انتبه الكاتب يفعل هذا لسبب فنّي! عزيزي المترجم، من صمد مئات الصفحات داخل هذا السرد المُرهِق لا يحتاج إلى من يشرح له أن الفوضى مقصودة، فهو قد استنتجها بالفعل. جزءٌ من متعة السرد العظيم أن يثق الكاتب بقارئه، وجزء من احترام المترجم للنص أن يثق هو أيضاً بهذا القارئ. لذلك بدا لي ذلك الهامش رغم حسن النيّة، وكأنه يسبق الكاتب إلى شرح نكتته قبل أن تصل. وهو أمرٌ مؤسف تحديداً لأن كل ما عداه في الترجمة يوحي بمترجمٍ ذو مستقبلٍ واعد (بالمناسبة، بعد قراءتي وتنقيحي للتدوينة عدة مرات، وبسبب حماسي الزائد حالما أنهيت الرواية وبدأت بالكتابة عنها، وربما بسبب أنني كتبتها على أربعة أيَّام، اكتشفت أنني وقعت بذات الفخ الذي وقع فيه المترجم، وهو أنني انزلقت بالشرح الزائد عن الحاجة، مثلاً بعد بعض المقاطع التحليلية، أضفت فقرة أخرى تؤكد نفس الاستنتاج بشكل مباشر. فهكذا بدوت أنني لا أثق بالقارئ أنا أيضاً بدون أن أنتبه .. لكن اللعنة، من يهتم؟ لن أقوم بتصحيح وإعادة شيء أريد أن أضعها بأقرب ما تكون عندما كُتبت لأوَّل مرة).
بالطبع فإن هذا أول عمل أقرأه لأوغوز أتاي، بل هو أول عمل أقرأه من الأدب التركي، بدأت بقراءة هذا العمل بدون أي تصوُّر أو معرفة أو اطَّلاع مسبق على محتواها أو كاتبها أو مكانتهما الأدبية، وبعد إنهائها وجدت نفسي مدفوعاً للبحث عن الرجل الذي استطاع أن يكتب هذا القدر من الألم بهذه الدقّة المرعبة. والمثير للاهتمام أنني اكتشفت لاحقاً أن الرواية لم تكن منفصلة تماماً عن حياة أتاي نفسه فعلياً. إذ تشير النسخة العربية في الصفحة الأولى الإهداء إلى روح أورال، وهو صديقٌ مقرّب لأتاي من أيّام الجامعة كان قد انتحر في شبابه تاركاً أثراً بالغاً في نفس الكاتب (كتبَ المترجم هذه المعلومة أيضاً في الهامش فأفسَد عليَّ متعة اكتشاف حياة أتاي الخاصة أيضاً ههههه!!). وهنا يعيد المرء النظر في الرواية كلّها على ضوء هذه الحقيقة. وكما ذكرت أعلاه أن من عاش الفقد يدرك مدى الدقة التي يكتب فيها أتاي مراحله، فكان الأولى أن يكون أتاي نفسه عاش قصَّة تركت فيه ندبة لا تُمحى .. بعض الكتّاب بارعون في تخيّل الألم (ليسوا عاجزين عن التشبُّث أبداً)، أمّا أتاي فيبدو كان يستحضره من مكانٍ يعرفه جيّداً.
أخيراً، أتاي صعد بشكل مباشر لأفضل الكُتَّاب بالنسبة لي. أنتظر العمل التالي الذي سيُترجم له، وأنتظر أيضاً بشدة العمل المقبل لعمير الأحمر كذلك.
خاتمة لابدَّ منها
كثيرةٌ هي الأعمال التي تناولت الفقد بأشكاله المختلفة، وكثيرةٌ هي الروايات والأفلام والمسلسلات التي حاولت الاقتراب من ذلك الخراب الداخلي الذي يخلّفه غياب من نحب. قرأتُ وشاهدت أعمالاً عظيمة في هذا الباب لعلِّ أبرزها الغابة النرويجية لمؤلفي المفضَّل موراكامي، مروراً بأفلام تحضرني الآن وأنا أكتب هذه السطور مثل Manchester by the Sea وAftersun ومسلسلات The Leftovers وAfter Life، وكلٌّ منها اقترب من الفقد بطريقته الخاصة وحاول أن يلامس شيئاً من ثقله وتعقيده .. لكن، والحقُّ يُقال، وبدون مبالغة، فإن أوغوز أتاي هو أفضل من كتب عن الفقد ممّا قرأت شخصياً. أتاي جعلنا نعيش هذا الفقد، كسَر حاجز الجدار الرابع إن صحَّ التعبير بينه وبين القارئ.
ربما لهذا السبب بدت الرواية مرهقة لأنها لا تكتفي بوصف العاجزين عن التشبث، بل تجبر قارئها على عيش حالتهم، على أن يسأل نفسه في النهاية سؤالاً مزعجاً لا مهرب منه .. إلى أيّ حدّ يوجد داخلي أنا أيضاً لامتشبّث صغير أحاول إخضاعه كل يوم؟
وهذا، في ظنّي، هو سرّ عظمتها الحقيقيّة. أنها لا تنتهي حين تُغلقها .. بل تبدأ عندها.
عودَة لما قلته في أول المقال، فأنا لا أستطيع أن أوصي بهذه الرواية توصيةً مطلقة كما يُوصى ببقية الأعمال عادة التي من المتوقَّع أن تُناسب الجميع .. لذلك نعم، سأرشّحها بحماسة شديدة، لكن فقط لمن أعرف مسبقاً أن لديه الصبر والذائقة والخبرة القرائية التي تؤهّله لخوض تجربة كهذه. أمّا من يبحث عن رواية سلسة، ممتعة، سريعة الإيقاع، أو عن عمل يُقرأ للاستمتاع بالمعنى التقليدي، فهذه الرواية ستصفعه على الأرجح ثم تتركه غاضباً يلعن من رشّحها له. وبعض الكتب لا يسيء إليها شيء أكثر من أن تُعطى للقارئ الخطأ.



