Three Colours trilogy

ثلاثيِّة الألوان .. رحلة إلى عالم كيشلوفسكي الرمادي

مؤخراً حين فكَّرت بكتابة رواية اخترت موضوعها الرئيسي أكثر ما أبرع به كمصمم: الألوان .. وقد وضعت لها خطوطاً عريضة، وقمت بتسمية البطل والأحداث الرئيسية التي يمرّ بها، كانت الرواية ستحكي عن عالم ديستيوبي تُضطرُّ فيه الحكومات لتركيب شرائح في أدمغة الشعوب تحجب عنهم رؤية الألوان، فلا يرون الحياة إلّا بالرماديِّ .. وكنت قد قسَّمت الرواية لسبع فصول على عدد ألوان الطيف المرئي، وكل فصل سيحكي عن لون وحالة شعوريَّة يمر بها البطل “أيهم” للوصول إلى حقيقة الألوان في العالم .. كتبت ما يقارب الثلاثين صفحة من هذه القصة، لكنني بالطبع، وبشكل اعتيادي، توقَّفت عن إكمالها وتركتها تنام إلى جانب شقيقاتها من الروايات الناقصة في مسوّدتي ضحية تقلباتي المزاجية.

كان هذا قبل عام أو أقل، حينها وفي خضمِّ كتابتي لهذه القصة الغير مكتملة، بحثت عن روايات وأعمال مشابهة لفكرتي هذه (وذلك ليقيني بأن أيَّ فكرة آتي بها لابدّ وأن أحدهم قد كتب عنها من قبل) وحينها وجدت ثلاثيّة الألوان هذه التي واتتني الفرصة الآن لمشاهدتها أخيراً.

ويا لها من أفلام!

الحقيقة أنّها زعزعت شيئاً في داخلي .. أكَّدت لي أنّي صرت أكره الأعمال الإنسانية التي تغوص في النفس، رغم أنّها كانت فنّي المفضّل. في السابق، كنت أراها مجرّد حكايات على شاشة، شخصيات تموت بإغلاق الصفحة أو انطفاء الشاشة، دراما بعيدة لا تصلني .. أما اليوم، فهي خنجر مفتوح في صدري، تخنقني، تعصر قلبي، وتعيد فتح الجراح التي أريد غلقَها .. حقيقةَ أن السينما لم تعد ملاذاً ولا عزاءً، بل اختباراً لقوة احتمالي، كأنها تمسك بيدي وتغمسها في النار لتذكّرني أنّني ما زلت أشتعل من الداخل. وربما لهذا أكرهها اليوم .. لأنها صارت أكثر واقعية من واقعي، لأنني صرت أشبه شخصياتها أكثر مما أحتمل، ولم أعد أملك رفاهية أن أرى الألم في الآخرين دون أن أسمع صداه في صدري.

لكنّها أفلام عظيمة .. عظيمة بالقدر الذي كرهتها فيه، وكلّ شيء عظيم يستحق أن يُخلّد في صفحات مدوَّنتي.

مقدِّمة لابدَّ منها

لم أكن أعرف اسم المخرج كريستوف كيشلوفسكي قبل مشاهدة أفلامه هذه، ولم يخطر ببالي أنني سأجد نفسي مأخوذاً بهذا الشكل أمام عدسته ورؤيته وألوانه .. ثلاثية الألوان: الأزرق، الأبيض، الأحمر. التي أُنتِجت قبل ثلاثين سنة، هي ثلاث أفلام بشخصيَّات مختلفة بثلاث حكايات منفصلة في ظاهرها متصلة في عمقها، كلّ فيلم منها يفتح نافذة على حياة إنسانية مكسورة بطريقة ما، على روح تحاول أن تلتقط أنفاسها وسط الألم، الخيانة، الفقد، أو العزلة. كل فيلم منهم يقف على لونٍ محدّد، ويغوص في معنى من معانيه.

يأخذنا الجزء الأول، الأزرق، في رحلة إلى مشاعر امرأة فقدت كل شيء، فتجد نفسها وحيدة فجأة، تحاول أن تهرب من ذاكرتها ومن روابطها الإنسانية، لكنها كلما ابتعدت أكثر، كلما سحبتها الحياة إلى مواجهتها الكبرى. فيلم بارد ومؤلم ومؤلم، ويحمل في مشاهده معنى الحرية حين تأتي بثمن الفقدان.

الجزء الثاني، الأبيض، قصته لا تقل شاعريَّة عن الأول، تدور حول رجل سُلب منه كل شيء: زواجه، كرامته، وحتى وطنه، فيجد نفسه مضطراً لإعادة بناء حياته من الصفر. لكن العودة هذه المرة ليست بريئة، بل مشبعة بروح الانتقام، ملوّثة برغبة استعادة التوازن بأي وسيلة.

أما الأحمر، فهو الأشد دفئاً والأكثر غموضاً، قصة لقاء بين شابة وقاضٍ متقاعد، لقاء عابر ظاهريًّا لكنه يمتد ليكشف عن شبكة خفية من التواصل البشريِّ، عن العلاقات التي لم تتمّ، والقرارات التي غيّرت مسارات حياة بأكملها. إنه فيلم عن المصادفات، وعن الخيوط غير المرئية التي تربط أرواحنا ببعضها البعض.

العبقرية الحقيقية في هذه الثلاثية لا تكمن فقط في القصص أو الشخصيات، بل في قدرة كيشلوفسكي على جعل كل لون بطلًا للفيلم، ولا يكاد يمرّ مشهد بدون إضافة هذا اللون إلى الكادر .. ورغم مرور أكثر من ثلاثين عاماً على صدورهم، إلا أنّ هذه الأفلام لا تشيخ، لأنّها تتحدّث بلغة الأرواح، والروح لا تعترف بزمان أو مكان، هي تلتقط الوجع، الحب، الفقد، والبحث عن المعنى أينما كنت، وتتركك في النهاية متأرجحاً بين الألم والدهشة، كأنّك شاهدت شيئًا يتجاوز حدود السينما نفسها.

ولأنها تجربتي الأولى مع كيشلوفسكي، فلن تكون الأخيرة بلا شك. فقد وضعت اسمه بين أولئك الذين تستحق أعمالهم أن أبحث عنها وأفتِّش في كل زاوية من مسيرتهم. هذا المخرج لا يروي قصصاً عاديَّة، بل أشبَه بقراءة لرواية روسيّة قديمة.

Three Colours trilogy: Blue
ملصق غير رسمي للفيلم الأزرق .. حقوق التصميم محفوظة لـ Victo Ngai

الأزرق .. الحريَّة التي تأتي بعد أن يفترسك الفقد

اللون الأزرق هو أولى ثلاثية الألوان، يحكي الفيلم عن عائلة تتعرَّض لحادث سيارة يودي بحياة زوج البطلة وابنتها، ويتركها وحيدة مع فراغٍ لا يمكن ملؤه. ومنذ اللحظات الأولى، نرى محاولة يائسة منها لقطع كل خيط يربطها بالماضي: تبيع البيت، تهرب من الأصدقاء، وتدفن الموسيقى التي تركها زوجها، كأنها تعاقب نفسها على البقاء حيّة .. اللون الأزرق هنا هو روح الفيلم. يظهر في كل مشهد، في زجاجات المسبح، في الظلال، في انعكاس الضوء على وجه البطلة، كأنه يلاحقها أينما ذهبت .. في الثقافة الغربية، وبسبب غياب الشمس، فإن الأزرق يرتبط بالحزن دائماً، وإلى اليوم يُطلق على من أصابه الاكتئاب أو العزلة عبارة feeling blue. بعكسنا نحن العرب، الذين نرى في الأزرق لوناً للسماء الصافية والفرح. لذلك، هو فيلم عن الكآبة والحزن بالدرجة الأولى.

شعرت كأن أحدهم فتح باباً قديماً في داخلي وتركه مشرعاً على الريح .. الفيلم يبدأ بفقدٍ هائل، لكنه لا يتوقف عند الصدمة الأولى؛ بل يتوغّل في أعماق الألم، يلاحق البطلة جولي في محاولتها المستميتة للهروب من كل ما يربطها بالماضي .. قرأت لاحقاً أن المخرج كيشلوفسكي كان يريد الحديث عن الحرية في هذا الفيلم، حرية الفرد في الانفصال عن كل ما يكبّله .. لكنني، وبصدق، لا أرى الحرية في التخلي القسري، في تمزيق الروابط البشرية خوفاً من الألم. بالنسبة لي، ما فعلته البطلة لم يكن تحريراً بقدر ما كان محاولة يائسة لتخدير الروح، للهرب من واقع لا يطاق. ربما الحرية الحقيقية هي القدرة على حمل الألم دون أن نفقد أنفسنا في الطريق، لا أن ندفنه ونقطع كل ما يصلنا بالحياة.

كثيرة هي المشاهد التي ستعلق في ذاكرتي .. ولعلَّ مشهد المسبح أحدها. مكانٌ بارد، فارغ، أزرق حتى العظم. هناك تنزل البطلة لتسبح وحيدة، كأن الماء يمنحها الإذن بالبكاء دون شهود، وكأن الألم يمكن أن يذوب في هذا السائل بلا أثر. شعرت وأنا أشاهد المشهد أن كلّ إنسان يملك مسبحه الخاص، مكانه السريّ الذي يذهب إليه ليكسر ثقل الحياة بعيدًا عن أعين الآخرين. وفي هذا المشهد تحديدًا، فهمت أن الفيلم لا يتحدث فقط عن فقد العائلة، بل عن فقد الذات نفسها بعد الخسارة، عن تلك الغربة الموحشة التي تجعلنا غرباء حتى عن أنفسنا.

مشهد عودتها لأمها أيضاً لا يُنسى .. امرأة مسنّة غارقة في زهايمرٍ قاسٍ، تفقد ذاكرتها يوماً بعد يوم. هناك شعرت البطلة برغبة في أن تُسلب الذكريات كما سُلبت من أمها، أن يُمحى كل شيء مؤلم وتبدأ بصفحة بيضاء. يخبرنا المخرج أن الحزن لا يكتفي بسرقة من نحب، بل يسلب قدرتنا على الحبّ مرة أخرى، يحوّل كل شيء جميل إلى تهديد محتمل بفقدٍ جديد. كيشلوفسكي جعل هذه الفكرة تتدفق في الفيلم بهدوء، بلا خطب ولا تفسيرات، فقط يضعها أمامك ويتركك تغرق في ثقلها. وربما لهذا السبب أقول إن هذا الفيلم أشبه برواية لـ تشيخوف وهو يصف حزن أحدهم، فيلم ثقيل يعكس هشاشتنا نحن البشر أمام الفقد. تذكَّرت ألبير كامو في رواية الغريب التي يعيش فيها الشخصية الرئيسية بانفاصل عن كل شيء حوله بعد فقدان المعنى .. وفي مقابلة لكيشلوفسكي، قال مرةً: “إن الفن الحقيقي ليس في أن نعلّم الناس شيئاً، بل أن نلمس فيهم أشياء كانوا يحاولون نسيانها”. وهذا بالضبط ما يفعله الأزرق، يضع إصبعه على جرح لا نحب الاعتراف به: أننا لا نتعافى أبداً من الفقد، بل نتعلم أن نعيش حوله.

Three Colours trilogy: White
ملصق غير رسمي للفيلم الأبيض .. حقوق التصميم محفوظة لـ Victo Ngai

الأبيض .. النقاء المفقود

كان أكثر ما أثار حماسي قبل البدء في الجزء الثاني هو معرفتي بوجود جولي ديلبي فيه، الوجه المألوف اللطيف الذي يحمل معه ذكريات ثلاثية Before التي أعدّها من أفلامي المفضلة (وربما سأكتب عنها يوماً ما حين أتجاوز الذكريات المُصاحبة لها). لكنّ صاحبة الوجه اللطيف هذه المرة بدت مختلفة، أكثر برودة وأقل شفافية مما اعتدت عليها، وهو انعكاس مباشر لجوّ الفيلم نفسه بالطبع، جوّ مشبّع بالخذلان والانتقام، بعيد عن دفء الرومانسية التي رافقتني في Before .. يحكي الفيلم عن كارول، رجل محطم يعيش في باريس مع زوجته، لكنه يجد نفسه يُسحق تحت وطأة خيانتها عند ترفع عليه دعوى للطلاق بحجة ضعفه الجنسيِّ. وهكذا، يجد نفسه مسلوباً من كل شيء: حبيبته، كرامته، وحتى قدرته على البقاء. يحكي الفيلم قصة استعادته لنفسه، حيث يعود إلى بولندا ويخطط للانتقام ممكن مسَّ كرامته. القصة تتأرجح بين عبثية الموقف وقسوته، بين لحظات ساخرة حد الألم ومشاهد تصفعك بمدى الحقد الذي يمكن أن يحمله قلب إنسان جُرّد من الحب فجأة .. منذ البداية شعرت أن الفيلم يريد أن يترك قلبي في منتصف الطريق؛ لا حزيناً تماماً ولا مرتاحاً بما يكفي، وكأن رسالته أن العدل لا يأتي نظيفاً أبداً، وأن الحب حين يُكسر لا يعود كما كان، حتى لو تبادل الطرفان الأدوار.

حين فكرت باللون الأبيض قبل مشاهدة الفيلم، ارتسم في ذهني رمز النقاء والبدايات الجديدة، لكن الفيلم لم يمنحني أيّاً من ذلك. الأبيض هنا لون بارد، أقرب إلى ثلج يغطّي القلوب بدل أن يطهّرها. قرأت لاحقاً عن رؤية المخرج كيشلوفسكي، الذي أراد أن يجعل الأبيض مرادفاً لفكرة “المساواة” في ثلاثيته المستوحاة من شعارات الثورة الفرنسية: الحرية، المساواة، الأخوّة. لكنه يقدّم المساواة هنا بشكل ساخر، ملتوٍ، كأنها لعبة أدوار بين الضحية والجلاد. إذ ليس هناك مساواة حقيقية بين البشر، بل فرصة مؤجلة ليجرّب كل طرف ألم الآخر .. وبصراحة، لم أجد الأبيض مناسباً أبداً .. شعرت أن الفيلم بأحداثه الوسخة المليئة بالحقد والانتقام كان يحتاج لوناً آخر .. ربما الأصفر، اللون الذي يحترق على مهل، الذي يليق بالحقد أكثر مما يليق بالنقاء.

العلاقة بين كارول ودومينيك هي المحور الرئيسي في الفيلم. منذ المشهد الأول، يظهر أنها علاقة غير متوازنة، قائمة على هيمنة طرف على الآخر .. تستغل دومينيك فيها كل قوتها لإذلال كارول نفسياً وقانونياً وجنسيّاً، تحرمه من أي شعور بأنه “رجل”. المخرج يضع هذه العلاقة كمرآة لفلسفة الفيلم كلها: “المساواة لا تتحقق بالعدل، بل بالقوة”. في مقابلاته، قال كيشلوفسكي إنه أراد أن يسأل ما إذا كان بإمكان الحب أن يستمر بعد أن ينكسر ميزان القوى، أم أنه يتحول حتماً إلى حرب خفية بين الطرفين .. وأنا، حينما شاهدت تلك العلاقة، لم أستطع سوى أن أراها كساحة معركة، حبّ مشوَّه يولد من رحم الإذلال .. لا عناق ولا كلمة حب قادرة على إصلاح الشرخ الأول. شعرت أن ما يجمعهما لم يعد حباً بقدر ما هو سلسلة من الجروح التي يتناوبان على فتحها.

المشهد الأخير يُغلق الدائرة طبعاً. كارول ينجح في انتقامه الكبير، يقلب اللعبة على دومينيك ويجعلها هي المهانة، السجينة، المكسورة. يقف خارج نافذتها وهي في الزنزانة، تتوسل إليه بعينيها، تشير بحركة الزواج، كأنها تقول إنها ندمت، أو ربما أنها ما زالت تحبه، أو لعلها فقط تلعب لعبتها الأخيرة. ولأول مرة في الفيلم، نرى كارول يبكي .. تتهاوى قناعته بأن الانتقام سيمنحه الخلاص. هنا يسألنا الفيلم: هل تتحقق المساواة حين يتذوق الطرف الآخر نفس الألم؟ هل هذا عدلٌ، أم مجرد تبادل أدوار في دائرة من القسوة؟ تركني المشهد عاجزاً عن الفرح بانتصار كارول، وأقرب إلى الإيمان بأن الحب حين ينكسر إلى هذا الحد، لا ترمّمه دموع ولا انتقام، وأن الأبيض هنا للسخرية لا أكثر، كأن المخرج يقول: “أنت بدك مساواة؟ رح تاخدها بطريقتي .. مساواة بطعم الانتقام!” .. مع أن فكرة المساواة كلها هي رؤية المخرج فقط.

Three Colours trilogy: Red
ملصق غير رسمي للفيلم الأحمر .. حقوق التصميم محفوظة لـ Victo Ngai

الأحمر .. لون الوحدة

بعد فلمين ثقيلين على النفس، أتى الجزء الثالث خفيفاً نوعاً ما .. الحقيقة أنه منذ الدقائق الأولى كان أكثر دفئًا، وأكثر قربًا منّي أنا شخصياً. القصة تحكي عن فالنتين، شابة تعمل كعارضة أزياء، تصادف يوماً رجلاً مسناً، قاضٍ سابق اعتزل العالم، يعيش وحيداً في بيتٍ واسع، وقد صار شغفه الوحيد التنصت على مكالمات جيرانه. الرجل الذي قضى حياته يحكم على الآخرين في قاعة المحكمة، بات اليوم لا يملك إلا أن يتعرَّف على طعم الحياة من خلالهم، يستعير لحظاتهم الصغيرة كي يشعر أنه ما زال حياً. الفيلم يضعنا أمام سؤال: كم من الوحدة يحتاج الإنسان ليبحث عن الحياة في حياة غيره؟

الأحمر في هذا الفيلم ليس لون الحب بقدر ما هو لون الخيط الرفيع الذي يربط الأرواح (بحسب رؤية المخرج)، لون الدم الذي يذكرك بأنك، رغم كل العزلة، ما زلت تنبض بفضل وجود الآخرين حولك. قرأت لاحقًا أن كيشلوفسكي أراد أن يكون الأحمر رمزًا للأخوة البشريَّة والتواصل الإنساني. فالقاضي، رغم كل بروده وجموده، كان يراقب الآخرين لا بدافع الفضول بل بدافع الحاجة، الحاجة لأن يشعر بنبضهم ليتأكد أن قلبه لم يتوقف تماماً. وفالنتين، في حضورها العفوي، أعادته تدريجيًا إلى إدراك أن الحياة الحقيقية لا تُستعار عبر الأسلاك الهاتفية (عبر السوشال ميديا في وقتنا الحالي)، بل تُعاش عندما تجد إنساناً يراك كما أنت، دون حكم أو قناع.

القاضي كان أكثر ما جذبني في كل الثلاثية، ليس لأنه حكيم أو عادل كما يوحي لقبه، بل لأنه أكثر شخص في الأفلام الثلاثة شعرت أنه يشبهني .. يشبهنا نحن الذين نعيش على هامش العالم. القاضي رجل أنهكته الحياة، ليس بالسن فقط، بل بالخذلان والخذائع والخيبات المتكررة. رجل فقد إيمانه بالبشر حتى قرر أن يراقبهم بدل أن يشاركهم. لم يعد يملك شجاعة الدخول في علاقات حقيقية، ولم يعد يريد أن يتأذى مرة أخرى، فاكتفى بأن يكون شاهدًا صامتاً على حياة الآخرين.

لكن ما يجعل القاضي شخصية عبقرية هو أنه ليس شريراً بالمفهوم العام للكلمة، وليس خيِّراً أيضاً. فيه جزء كئيب، آثم، مُشوَّه، وفيه أيضاً حنين دفين إلى الألفة، إلى أن يشعر بأن قلبه ما زال موجوداً. هناك مشاهد شعرت فيها أنه أقرب إلى إنسان تائه أكثر من كونه متحكماً أو متلصصاً .. كان يتجول في العزلة مثل طفل ضائع، يحاول أن يتذكر شكل الدفء. حتى قسوته الظاهرة في بعض الحوارات لم تكن إلا محاولة لتبرير وحدته، ليقنع نفسه أن ابتعاده عن البشر خيار حكيم لا لعنة مفروضة عليه.

بالطبع فإن هناك سخرية عميقة من المخرج حين جعل من يتنصَّت على الناس مهنته قاضي .. لم يُرد أن نراه كرمزٍ للعدالة أو المراقبة، بل كرمز لهذا الفراغ الذي يسكننا عندما نخسر الكثير، لدرجة نحتاج أن نستعير حياة الآخرين كي نتأكد أننا ما زلنا على قيد الحياة. وقد وصلني الشعور تماماً، ولهذا أحببته أكثر من باقي الشخصيات، لأنه لم يقدّم لي حلاً، لم يقل لي إن الحياة ستنصلح أو إن الوحدة ستنتهي، بل كان اعترافاً بشرياً أن بعض الجراح لن تُشفى، وأن أفضل ما يمكننا فعله هو أن نظل ننظر إلى النور المتسرّب من نوافذ الآخرين، حتى لو لم يكن لنا نصيب منه.

ما يجعل العلاقة بين فالنتين والقاضي استثنائية هو أنها ليست علاقة حب ولا شفقة ولا حتى صداقة تقليدية، بل علاقة كشف، كأن كلاً منهما وجد مرآته في الآخر. هي ترى في وحدته مستقبلها المحتمل، وهو يرى في حضورها نافذة لما فقده منذ زمن بعيد. مع كل حوار بينهما، شعرت أن الفيلم يقول شيئاً بسيطاً وصعباً في آن: نحن لا نعيش بمعزل عن بعضنا، والأرواح، حتى الأكثر تيهاً وتبلداً، تتشبث بخيط إنساني كي لا تسقط في فراغ أبدي. 

خلال الثلاثة أيام التي كتبت فيها هذا النص، شعرت أن صوت المخرج يتسرّب بين السطور، كأنه يذكّرني بأن هذه حكاياته هو، رؤيته هو للعالم، وأنا لست سوى عابر يلتقط الشظايا. حاولت أن أضع بصمتي، أن أكتب قراءتي الخاصة، لكن الحقيقة أن مخرجًا مثل كيشلوفسكي لا يمنحك ترف الحياد، خاصةً بعدما تقرأ آراءه هو بذاته، لن يعد لرأيك أنت مكان.

وربما لهذا السبب خطرت لي روايتي، تلك التي لم ترَ النور بعد. شعرت بها تقترب وأنا أكتب، تتنفس بين الكلمات، كأن هذه المراجعة محاولة غير واعية لأكتبها من جديد، لكن بلسان آخر. ربما ما زلت أبحث عن ألواني في عالمي رمادي، وربما هذه الأفلام كانت مجرد تذكير بأن الحكايات العظيمة تُكتب أحيانًا لا لتُفهم، بل لتفتح جرحاً قديماً برعت في تجاهله.

ربما، يوماً ما، حين أجد النهاية التي تهرب مني، ستلتقي روايتي بثلاثية كيشلوفسكي في منتصف الطريق .. هناك، حيث تتقاطع الأسئلة ولا يجرؤ أحد على وضع نقطة النهاية.

اشتراك
إشعار إلى
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأعلى تصويتاً
تعليقات مضمنة
رؤية جميع التعليقات

تواصل معي

لأن كل مشروع عظيم يبدأ برسالة، أرسلها الآن، وسأقوم بالرد عليك بأسرع وقت.